سوسن جميل حسن
رواية “ليلة الإمبراطور” للكاتب السوري غازي حسين العلي، الصادرة عن دار “ضفاف” (2014)، من الروايات التي يمكن تصنيفها من روايات المتعة والمؤانسة، لخفة ظلها وطرافة أسلوبها السردي، وما تحمل من فانتازيا برع الكاتب في تشكيلها، لكنها في الوقت نفسه معجونة بالقهر تنبش الأحزان من أغوار النفس فتذهب بروح القارئ إلى أقاصي البكاء، في الوقت الذي تغرقه في الضحك.
ستة عشر فصلا تتوزع في السرد، كل فصل يحمل عنوانه الخاص المدبّج بسجع جميل ومعنى طريف، كاستهلال لأسلوب سوف تنهض الرواية وفقه مما يمنح السرد ميزة الانسجام مع الجو العام للعمل بما يحمله من فانتازيا أدبية وعبثية تتصادى مع عبثية واقعنا السوري، وواقع الراوي “سعيد” المواطن البسيط المغلوب على أمره، المقيد إلى ظروف حياته والظروف العامة التي تعيشها سوريا، ودمشق على وجه الخصوص.
القتل واجب وطني
سعيد يعمل قاتلا للكلاب الشاردة في بلدية تابعة لمحافظة دمشق، مشبوح بين أب قصّر تجاه زوجته فارتمت في أحضان الجار الذي أخذها إلى السعودية، وقد كان مغرما بسعاد حسني، صادف أن وجد فتاة تشبهها وهي سكرتيرة لرئيس البلدية فوقع في غرامها من أول لحظة وأحبها إلى الأبد مثلما لو أنه اكتشفها مقيمة في أعماقه منذ الأزل، وبدأت سلسلة الأحلام والكوابيس في رحلة سعيه للحصول على سعاد حبيبته التي سيزوجها أهلها من ابن عمها “الضابط” الذي وعدها بـ”سيارة وعمارة”، بينما هو الرجل البسيط الذي يتقدم لخطبتها ويجيب على أسئلة أبويها بكل صدق بأن والده في سجن عدرا بتهمة السرقة، وأمه هربت مع جارهم “أبو زهدي” إلى السعودية بعدما ضبطهما أبوه في السرير، وهي لا تزال تؤدّي العمرة هناك.
رواية تكشف المسكوت عنه في تراثنا الثقافي ومنظومتنا القيمية، والاستبداد كمنظومة سياسية ودينية واجتماعية
سعيد لم يتحصل على شهادة، فقد درس حتى الصف السادس لكنه مغرم بالقراءة ولديه صديق يعيره الكتب، أما أخو سعاد حبيبته، التقدمي، نصحه بقراءة لينين وماركس ودوستيوفسكي وتولستوي. يعاني سعيد من إحساس بتأنيب الضمير أثناء قيامه بقتل أرواح بريئة حتى لو كانت كلابا، ويعاني من استبداد رئيس البلدية له الذي كلفه بهذه المهمة وهو في الأساس مراسل، يحاول أن يعتذر ويطلب إعفاءه من هذا الدور لأن جمعية الرفق بالحيوان تلومه، ويتذكر أيضا ملاحقة عيني جرو صغير كان قد دار بينهما حوار قبل أن يرديه قتيلا بعد أبيه، لكن رئيس البلدية يرفض، ويستنكر هذه الجمعيات المغرضة التي تريد أن “تعلمنا الحلال والحرام”.
ثم توكل إلى سعيد المهام الأصعب بالتدريج إلى حدّ أن تصبح مهمته في القتل واجبا وطنيا وبطولة لن ينساها له أصحاب القرار وسوف يكافأ عليها، وهو إذ يقوم بهذه المهمة فسوف يتشبه في وجدان الناس بـ”سليمان الحلبي” وسيكون اسمه “سعيد الشامي”، لأن هناك أعدادا كبيرة من الكلاب تسرح وتمرح في البلدة وقد تضاعفت أعدادها عشرات المرات، وجاءتهم أوامر “من فوق” للقضاء عليها بسرعة وقبل فوات الأوان.
فانتازيا أدبية وعبثية تتصادى مع عبثية واقعنا السوري
وفي حمّى هلوساته وكوابيسه مدفوعا بالخوف المعشش في أعماقه تفبرك له التهم وتلصق به الجرائم، من اختطاف سعاد فاغتصابها إلى تهمة الإرهاب، ويطلب إلى التحقيق مرات ومرات، ويخضع إلى التعذيب ويدخل السجن ويودع في الزنازين، وفي الفصل العاشر تحت عنوان “تسقط ديكتاتورية الإنسان على الحيوان” تدور حوارية مؤلمة بينه وبين القاضي بعد رؤيته أنه طعن رئيس البلدية، وحجته في الدفاع عن نفسه هي أن رئيس البلدية أجبره على قتل أرواح بريئة مستغلا حاجته إلى الوظيفة، و”حولني إلى قاتل مأجور”. ويحلم بأن يقتل الضابط ابن عم سعاد الذي يرتقي في النهاية إلى رتبة عماد، حيث جاءته سعاد في أحد المنامات وقالت له: “أرجوك يا حبيبي أن تخلصني من سجن العماد”.









