ثقافية

الشاعر باسم فرات: الأجناس الكتابية المختلفة تعني أن ثمة هموما كتابية تؤرق الكاتب

حاوره: صفاء ذياب

 

جوَّال يرتاد الآفاق، حاملاً ورقته ودواته التي لا تفارقه، منذ كربلاء إلى بغداد إلى نيوزلندا إلى هيروشيما وأميركا اللاتينية، ليعود مجدداً يتنقل بين دول شرق آسيا، مكانه العالم، من دون حدود أو حواجز، لا مطارات ولا نقاط تفتيش، كأنه هائم على وجهه في البراري، يأكل من عشب الأرض، ويرتوي من مطر السماء.. هكذا يمكن أن نقرأ باسم فرات، الشاعر والرحالة وكاتب الذكريات الجميلة والأليمة معاً. فرات الذي أصدر أكثر من مجموعة شعرية، كان آخرها “بلوغ النهر”، وفاز أيضاً في مسابقة أدب الرحلات عن مخطوطته “مسافر مقيم”، صدرت له مؤخراً مجموعة شعرية جديدة بعنوان “أشهق بأسلافي وأبتسم” عن دار الحضارة في القاهرة. عن المجموعة ورحلاته وتحولاته الفنية والفكرية، كان لنا معه هذا الحوار:

* عنوان المجموعة مغاير لعناوين كتبك السابقة، من هم أسلافك؟

 – العنوان عتبة مهمة، وقد يقود لفهم محتوى المجموعة، أو يكون مخادعًا ويحتاج إلى تأويل خاص، وأظنني نجحت في إيجاد عنوان يختلف، فبقية عناوين كتبي عتبات للدخول، بينما هذا العنوان فيه ما يشبه الورطة للقارئ لإغرائه بالتورط بالقراءة. وعليه فما ذكرته عن الأسلاف ليس من السهل معرفة هؤلاء، هم في النسيج الكُلّي للديوان. حاولت رسم الابتسامة على غلاف المجموعة بحثاً عن الأمل الذي لا بدَّ منه، كي يتبدد الألم وتُفتح أبواب الحياة والاصرار على المضيّ قُدُمًا في المستقبل وصناعة حياتي الخاصة على الرغم مما يحيطني من آلام وجراح وخسارات وفقد.

* ما البنى الأسلوبية التي اشتغلت عليها؟

– كان الهاجس الذي يؤرقني كيفية إنجاز كتاب شعري يكسر حدّة التوقعات، سبب هذا الهاجس ليس الكتابة الكثيرة عن بلوغ النهر، بل ما راح يطرق أسماعي أنني شاعر مكان بامتياز. أرفض التقولب مهما كان هذا التقولب مهمًّا، فهو يضع الشاعر في نمطية، وكل نمطية قاتلة للإبداع. وعليه اشتغلت على الطفولة والمراهقة والشعور بالفقد والحرمان والغياب، غياب طفولتي وذاكرتي في كربلاء، نتيجة تحول المدينة القديمة التي فيها ذكرياتي إلى منطقة فنادق، فلم تعد تلك الأزقة باردة في صيف العراق القاسي، فمكيفات الهواء حولتها إلى أزقة تلفح بهوائها الساخن، والكثير من بيوتها بطرزها المعمارية العربية أصبحت “كونكريتًا” لا يتفق وضيق المكان. كنت أحاول أن استرجع طفولتي ومراهقتي وبداية شبابي بعد غياب اقترب من عشرين سنة. لم أجد كربلائي الخاصة وجميلات كربلاء اللواتي كنّ يملأن المدينة بجمالهن الخاص والمميز بين العراقيات، لم أعد أراهن. تزامن هذا مع تسلّط السرطان في جسد والدتي، ومن ثم موتها على صدري ومواراتها التراب ليعلن الغياب هيمنته والفقد حضوره الجارح. من هنا رأيت أن كتابة ديوان كامل عن كربلاء – المدينة وكربلاء – الحبيبة وكربلاء – الطفولة المستلبة، ربما يحقق توازنًا لي. عليه لم أراجع القصائد في الغالب الأعم، وأستطيع الزعم أنني كتبت بعفوية خالصة، وكأنني طفل أو مراهق يكتب عن غياب العائلة والحبيبة. أظن أن النظر للديوان من هذه الناحية يجعل الاقتراب منه أكثر نجاحًا وإبداء الرأي أكثر دقة وصوابًا.

* بين الحب والغزل والخوف والقلق والهرب من الموت، تنوعت ثيمات قصائدك، كيف تم اختيار نصوص المجموعة وما الروابط التي تجمعها لتشكل كتاباً كاملاً؟

– كتبت خلال إقامتي في الاكوادور أكثر من ثمانين؛ إن لم يكن تسعين قصيدة، واخترتُ إحدى وسبعين قصيدة لأن أجواءها تكاد تكون واحدة، تبتدئ برسم صورة لي في كربلاء السبعينيات والثمانينيات، من خلال القصيدة الأولى (انتباهة طفل) ثم تتدفق مشاعر الفقد والتذكر والغياب والرحيل والقلق وشخصيًّا أراها متناسقة لأنها تتحدث عن المواضيع أعلاه التي أرقتني وأربكتني وأقلقتني، كنت أكتب وأشعر أن كربلاء الطفولة انتهت للأبد مع مشاريع التوسعة لوسط مركزها، بل ما بين زياراتي الثلاث 2011 و2012 ونهاية 2013 لاحظت مناطق عديدة تغيرت، وحين ذهبت لزيارة ابن عم لي كان يملك فندقًا ومطعمًا مقابل المخيم الحسيني لم أجد إلاّ مساحة فارغة مليئة بالأتربة ولا أثر لبناء قط. قيل لي هي من ضمن التوسعة، وهنا تذكرت “شارع معاوية” وحمّامات السوق والكثير من أحداث طفولتي التي اختفت تحت ركام السنين فجاء تهديم المنطقة ليعيدها نضرة ولكن بشعور عارم بالفقد والرحيل والغياب والخسارة.

* اشتغلت على أكثر من جنس إبداعي، شعراً ونثراً ونقداً، لماذا هذا التحول والانتقال؟ وما الضرورات التي تجعل من كاتب ما يكتب بأجناس مختلفة؟

– الأجناس الكتابية المختلفة تعني ثمة هموم كتابية تؤرق الكاتب– الشاعر ويحاول أن يفرغها على الورقة، لا يسعها الشعر أحيانًا، فالكثير من الأمور تُدوّن ويمكن أن تريح الكاتب، وكمثال على ذلك كتابي “دموع الكتابة”، كنتُ أشعر بحاجة لتدوين خلفيات قصائدي إن كانت طفولتي ومؤثرات العمل أو رحلاتي ورؤيتي للشعر وامتعاضي من تصنيفي على جيل ما، لأني وببساطة أنتمي لجيل القصيدة، ولم أكن يومًا ضمن مجموع، ويكفي أنني في منتصف الأربعينيات الآن بينما خروجي من العراق مضى عليه أكثر من إحدى وعشرين سنة، وعليه لا تحتفل ذاكرتي بالجماعة.

التنوع ضروري خصوصًا حين يترسخ الكاتب كشاعر مثلاً، ثم يبدأ بالكتابة في مجالات أخرى غير الشعر وهو ما عملته بعد أن أصدرت خمس مجاميع شعرية، بل إنني مصور فوتوغرافي منذ مراهقتي وهي حرفتي التي أطعمتني من جوع، ولكني لم أكن أحبّذ أن أصرّح بها حتى رسّختُ باسم فرات كشاعر.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان