عبد السادة جبار
ستبقى اطروحة السينما الشعرية قضية شائكة من الناحية النظرية بالنسبة للمتلقي والقارئ على الاقل بسبب عدم وجود تعريف واضح ومحدد الملامح كما هو الحال بالنسبة للمذاهب الفنية والأدبية ،و بالرغم من إن بدايات وبذور تلك المحاولات الطليعية في السينما ليست وليدة اليوم الا انها زرعت بأمكنة متفرقة وبأوقات متباعدة وبأساليب مختلفة و لم تكن بالكم والتركيز الكافيان ليجعلا منها نظرية راكزة يستجيب لها الجمهور او على الاقل نسبة جيدة من المهتمين وقد ينشب خلاف حول هذا الحكم بين ناقدين او متذوقين على عمل ما دون ان يصلا الى نتيجة حاسمة الا ان في الغالب ثمة اتفاق على اعمال محددة لا يمكن الاختلاف عليها ولاتكفي المقالات التي كتبت عن هذا الموضوع هنا وهناك لتكون دليلا لتحديد معنى واضحا لهذا الاتجاه الصعب في السينما المعاصرة .ثمة تناظر كبير بين السينما والشعر ،الشعر يصور الحلم والواقع عبر المفردة اللغوية ،السينما تصور ذلك أيضا عبر اللقطة السينمائية ،لكن الصورة في الشعر متخيلة ،و ليس كل ما تقدمه السينما يسمح بالتخيل بل إن اغلبه يهتم بالصورة الجاهزة وهذا لا يشابه الشعر ،إلا بعض الأفلام التي تدفع المتلقي إلى التخيل ، تلك الأعمال فقط تتفق مع مهمة الشعر( التخيل ) ،وكما ان المفردة الشعرية (اصغر وحدة في البناء الشعري) كذلك السينما الشعرية تستخدم اللقطة(اصغر وحدة في الفيلم-القصيدة ) لتحقق نفس النتيجة ،وهذا مافعله البعض في البدايات ولكن بإعمال سينمائية على عدد أصابع اليد ( لويس بونويل ،جان كوكتو ،بازوليني ،بريجمان ،آلان باركر ..وغيرهم ) ولكن هذا لا يعني إن تلك المحاولات تبغي التشبه بالشعر بل تبغي تجسيد الحلم والنبوءة والرؤيا والخيال عبر الايقاع واللون والصوت والحركة لتجعل مخيلة المشاهد في حالة انفعال وتفاعل اثناء العرض وبعده كمشروع للتاثير وخلود للمنجز ، ،الا ان تلك المحاولات الطليعية لم يكتب لها الاستمرار وانجاز الكم الذي يكرس النوع حيث هيمنت آفة الصناعة على هذا الوليد الذي يبيض ذهبا وشهرة لكن السعي لم ينقطع وتولدت محاولات شعراء السينما اللاحقين ولكن بكثافة وإبداع كبيرين .فكان المخرج الروسي اندريه تاركوفسكي البولندي كريستوف كيسلوفسكي والايراني عباس كياروستمي اليوناني تيودوروس انجيلوبولوس والتركي سميح اوغلو والامريكي تيرانس ماليك ..والايراني بهمن قوبادي وغيرهم ، بهمن قوبادي يتميز بشاعرية اكثر التصاقا بالواقعية وقريبا من الاهتمام بالحكاية نسغ الفيلم ،الا انه يتوغل في تفاصيل الصورة حد الولوج الى ادق جمالياتها ليخلق عالما شاعريا يتماهى مع مشاعر ابطاله مختزلا الى حد كبير تلك الحوارات المطولة مكتفيا باقلها كشعرحكائي ولادة الفيلم من القصيدة ولد قوبادي في كردستان ايران سنة ١٩٦٩ ودرس في طهران السينما وبدأ بأخراج أفلام وثائقية وأفلام قصيرة حازت على جوائز عديدة ولكن النقلة الحقيقية في حياتة تلك التجربة التي خاضها مع المخرج الكبير عباس كياروستمي حيث اشترك معه كمساعد مخرج في فيلمه Wind Will Carry Us، ومن هنا بدا يطلق فيلما تلو الاخر حقق” بهمن قوبادي” نجاحاً جماهيريا وتجارياً ملحوظاً في الأسواق الأوروبية والأميركية واهم أفلامه “زمن الخيول المخمورة “إنتاج 2000وهو أول أفلامه الروائية الطويلة الذي فاز بجائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان و”السلاحف يمكن ان تطير” إنتاج 2004, و”نصف قمر”2006 ، وفيلم “لا أحد يعرف عن القطط الفارسية” 2009.يستخلص قوبادي في افلامه السابقة الشعر من الصورة، فهو يحاكي الواقعية الشعرية بتناغم تصويري ودرامي يتفجر الشعر في اللقطات القريبة والبعيدة متجاوزا سلاسة القطع السينمائي والمونتاج التقليدي, فيلم ” موسم الكركدن Rhino Season” تجربة مختلفة تماما ومبهرة، حيث تخرج السينما من الشعر او يخرج الفيلم من القصيدة، اختار موضوعا عن حياة شاعر يعيش ملحمة حياتية تراجيدية قاسية تدمر كل آماله بسبب وشاية انانية من شخص مريض، ومن هنا يستهلك الشاعر روحه بالشعر، ويسمو بها المخرج بصور قص المأساة ،الفيلم مبني على حادثة واقعية مستوحاة من مأساة الشاعر الكردي الشيوعي صادق كمانغار، الذي سُمِّي في الفيلم ساهل فرزان، حيث أمضى في السجون الإيرانية 27 عاماً، قبل اغتياله في العام 1989 في العراق، وهو ضحية وشاية، حاول الفيلم أن يوظف قصة حب، ومأساة اعتقال، تعرض لها شاعر ” ساهل ” الممثل الإيراني بهروز وسوقي و زوجته ” مينا ” الممثلة الايطالية مونيكا بيلوتشي إبان الثورة الإسلامية في ايران؛ بتهم سياسية نتيجة وشاية من السائق ” اكبر ” الممثل التركي يلماز اردوغان، بسبب حبه المجنون لمينا ومعاقبة ابيها له عندما كان عقيدا في الجيش السابق، يصبح أكبر شخصية مهمة بعد الثورة، وفي السجن يطارد اكبر مينا (ولم يزل ممسوسا بعشقه المريض) لأقناعها بالزواج، وبعد ان ترفض يدبر مكيدة لقاءها لزوجها في السجن ثم يغتصبها، وبعد قضاء 10 أعوام في السجن تفرج السلطات الإيرانية عن الزوجة مع طفليها الاثنين الذين ولدتهما في السجن، لكن اكبر يظل متوسلا بها ليصبح زوجا لها تحت ذريعة ان الطفلين يمكن ان يكونوا من صلبه، وتقرر مينا الهجرة إلى إسطنبول بعد اعتقادها أن زوجها الشاعر قد تمت تصفيته، يخرج الشاعر من سجنه بعد ثلاثين سنة للبحث عن زوجته،ومن هنا يبدأ الجزء الأهم من القصيدة-الفيلم، “لقد أطلقوا سراحك.. لقد فتحوا الأرض وغطوا آثارك .. أعلنوا موتك .. سواء كنت حيا اوميتا ..لا احد يعلم بك..” الوشاية ..السجن ..فقدان الحبيبة..الاغتصاب ضياع الأسرة ..ضياع العمر..هذا يعني نجاح المؤامرة ضد الحب والشاعر والزوجة، ونجاح النفس المريضة في الوصول إلى غاياتها، يكتشف الشاعر بؤس حياة عائلته في اسطنبول، تجبر البنت،الممثلة التركية “بيران سات”، على العمل بائعة هوى بسبب ظروفها القاسية، نتابع عجزه في كشف هويته لزوجته، التي تمتهن وشم أشعاره التي حفظتها على ظهور زبائنها، يراقبها في شوارع المدينة ويقترب من البنت والولد ويدرك مآسيهم، لكنه لا يملك غير أشعاره ،كان يجمع المآسي في داخله ليحولها إلى قصائد تؤجج في روحه الانتقام، يختزل ذلك بتصفية الكائن المريض المدنس ويمحوه ليموت معه ويخلد مع أشعاره. النهايات المفتوحة أدوات المخرج هنا القصائد والصورة والوجوه، كلها تتلو الشعر مع أجزاء من الحدث، فهو يعتصر الحدث بكم هائل من الصور، ومقاطع شعرية كأنه يكثف المآسي، هو يرددها في الفضاء والبعض الآخر بصوت الزوجة، ثم يتداخل الواقعي مع الرمزي مع السوريالي، حيث نستمع إلى صوت الشجرة التي تحدث عنها الشاعر وهي تتلو بعض أبيات القصيدة، لينقل لنا إيحاءات كان يؤكدها لزوجته: إن الأشجار هي التي توحي إليه، لم يعر قوبادي اهتماما للتسلسل الطبيعي للحكاية, حيث آثر المونتاج الشبكي لينسجم مع الصور والاشعار فالحكاية لا تعنيه كثيرا وللمتلقي ان يكملها كما يشاء، يثير المخرج الشك الكامل، وهو الحقيقة الوحيدة التي يقدمها، وهنا تتضاءل قيمة الحكاية في مقابل قيمة المعنى الوجداني التي تصنعه اللقطة ، فيقدم فيلما تتداخل فيه الإيحاءات والتأويلات والنصوص الشعرية مع الدراما والمأساة بتماسك كبير ، يفترص مصائر لشخصياته كانها واقعية الا انه لا يؤكدها تماما كالشعر فهو يترك المشاهد في نهايات مفتوحة لا يعرف مصير الشخصيات بالضبط ليقرر بنفسه مصيرها ،عقابها نهايتها انتقامها اختياراتها ،موسم الكركدن فيلم مذهل لاتتحقق المتعة فية من مشاهدة واحدة ،بل يحتاج الى اكثر من مشاهدة مرة لفهم القصة واخرى للتمتع بكوادر التصوير واخرى بالاداء التمثيلي ثم العودة اليه مرات اخرى ..تماما كالقصيدة .









