ثقافية

(الرافد) تحيي إبداعات الفنان الهندي الأصل م. ف. حسين

رضاب فيصل

 

ولأن الإبداع هو فطرة نادرة عند البشر، يجب الاهتمام بها وتقديسها، احتفت مجلة “الرافد” الإماراتية الصادرة عن دائرة الثقافة والإعلام، هذا الشهر حزيران 2014، بالرسام الهندي م. ف. حسين الذي ولد عام 1915 مع إدمان فطري خلق معه، إلى أن اتضحت موهبته مع مرور الأيام، وأصبح من أشهر الرسامين وأكثرهم قدرةً على الإشارة إلى الواقع من خلال ريشتهم، بشكلٍ مبهر وغير مباشر.

كان احتفاء مجلة “الرافد” بهذا الفنان العالمي، في العدد 72 من كتابها الشهري، الذي حمل عنوان “معارج الفنون ـ تجربة الفنان م. ف. حسين من الهند” من تأليف إي. إم. أشرف، وترجمة سمر الشيشكلي. حيث ذكرت المقدمة، أنه قام برسم حوالي 60000 لوحة في موضوعات متنوعة مثل المهاتما غاندي، الأم تيريزا، رامايانا، ماهابهاراتا، الحكم البريطاني، وزخارف الحياة الحضرية والريفية الهندية.

وتأتي أهمية حسين، وإلى جانب كونه رسم ذلك العدد الخيالي من اللوحات ذات المواضيع المتنوعة، أنه استطاع أن يمزج الثيمات الأسطورية بالروحانية، وأن يربطها بالثيمات العرقية بأصولها الهندية المتوهجة في داخله، إلى ما لا نهاية.

كذلك أشارت مقدمة الكتاب، إلى ذكر اسمه في قائمة الـ “500 مسلم الأكثر تأثيراً في العالم” الصادر عن المركز الملكي للدراسات الاستراتيجية الإسلامية، عمان، الأردن.

بعد المقدمة، يتناول البحث، بدايات الفنان ضمن قسم “نشأة الرسام الثوري”، الذي اكتشفنا لدى قراءتنا له، أن حسين نشأ وترعرع في بيئة تقليدية مسلمة بعد أن ولد في باندهاربر في قلب محافظة بومباي في الهند البريطانية. وبعد وفاة والدته وجده، وبعد ما أثبت ضعف أدائه المدرسي، أخذه والده لخياط ليمتهن الخياطة ومن بعدها إلى رسام، على أمل أن يتعلم مهنة ما. وهنا يشير المؤلف في مقدمته: “اكتسب اهتمامه بالأدب الإنجليزي بداية عندما أحب أن يجامل جاره يافار فبدأ قراءة شكسبير وجون رسكن، وكتب عن رسامين بريطانيين”.

انتقل إلى مومباي في سن العشرين، وعمل ضمن مجال رسم اللوحات للإعلانات السينمائية، ثم عمل في مصنع ألعاب كمصمم وصانع ألعاب ذات زخارف ثلاثية الأبعاد. وظل يتطور في هذه المهنة، مع انحيازه الأول نحو الرسم، حتى أصبح واحداً من الأعضاء الأصليين في جمعية مومباي للفنانين التقدميين، وقد عرضت لوحة حسين المسماة “سنهيرا سانسار” في 1947 في “مجتمع الفن في مومباي” للمرة الأولى. وفي السنة نفسها التي نالت فيها دولة الهند الاستقلال، بعدها قرر أن يعود للهند”.

القسم الثاني من الكتاب، عرض لنا مقابلة حصرية لهذا الفنان مع إي. إم. أشرف خلال حياته في المنفى، وعندما كان في الشارقة في عام 2010 أكّد فيها “أنه ربما قد تمّ إقصاؤه من الهند، ولكن من المستحيل أن تؤخذ الهند من قلبه”.

ونختار منها جزءاً مما قاله حسين عندما سأله أشرف: لماذا قررت التضحية بكونك مواطناً هندياً مقابل جواز السفر القطري؟ حيث جاء في إجابته: “ماهي المواطنة؟ إنها مجرد مصطلح. إذا ما دعاك شخص بمودة ألن تقبل دعوته؟ علينا أن نكون عمليين في حياتنا أيضاً. أنا مسافر. العالم كله هو بلدي. عندما أحصل على الحب في مكان ما فسوف أذهب إليه. في الهند 99 % من الشعب يحبني. و1 % فقط يعتبرونني عدواً. بعد عصر النهضة حين جاءت الانطباعية في الرسم اضطهد أولئك الذين كانوا إلى جانب الانطباعيين من قبل الآخرين. لقد عانى الجميع، من غاليليو إلى كاليداسا، بابلو نيرودا، بيكاسو، شابلن. جميعهم خضعوا للتعذيب خلال فترة حياتهم. كان بيكاسو مواطناً إسبانياً. ولكن نيرون إسبانيا (الحاكم) لم يحبه، فكان عليه في نهاية المطاف أن يترك بلده”.

أما بالنسبة لحسين صانع الأفلام، فقد حاول المؤلف في القسم الثالث من الكتاب البحث والحديث عنه، مشيراً إلى أن الفيلم بالنسبة له هو حالة فنية متكاملة. ولطالما كانت لديه رغبة كبيرة وشغف كبير بالأفلام، إذ بدأت علاقته بها منذ زمن بعيد عندما كان يرسم لوحاته الإعلانية.

بدوره يأتي القسم الرابع تحت عنوان “م. ف. حسن في المنفى” ليروي مأساة النفي القسري، بعد أن اتهم في فبراير/شباط 2006، بـ “إيذاء مشاعر الناس” بسبب لوحاته التي تصور آلهة الهندوس عارية. لذا “كان على حسين الهرب خارج الهند. فإضافة إلى التهديد بالهجوم على شخصه، واجه سنوات من الإجراءات القضائية بعد أن اتخذ أعداؤه مئات من الإجراءات ضده. وقال في واحدة من آخر مقابلاته مع حزن هادئ ينبغي أن تخجل منه الهند: “أنا لم أهدف إلى تشويه سمعة أو إيذاء معتقدات أي شخص من خلال فني. أنا فقط أعبر عن الغرائز من روحي. الهند هي بلدي الأم. ولكن القيادة السياسية والفنانين والمثقفين لاذوا بالصمت عندما هاجمتني جماعة سانغ باريفار. كيف يمكن أن أعيش هناك في مثل هذه الحال؟”.

 في نهاية الكتاب استحضرت أهم الأحداث واللحظات في حياة حسين، من خلال الأرقام والتواريخ، كان آخرها عام 2011، حيث توفي في 9 يونيو/حزيران بسبب نوبة قلبية في لندن، ثم نقل بعدها إلى مقبرة بروكوود، وكينغ في ساري ودفن هناك.

 أيضاً تضمّن الكتاب في القسم الأخير منه مجموعة متنوعة من الصور الخاصة بحسين وعدد من لوحاته وأعماله الفنية، تتجلى فيها رؤيته الخاصة، ليس نحو الحياة فحسب، وإنما نحو الموت والخلود.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان