ناصر قوطي
أمـــل
ذات مساء حزين حلمنا أن تكون لنا حديقة مزدانة بكل ورود الأقحوان ، بهية المنظر طيبة الرائحة والمنبت . كنا ثلة من الأصدقاء الطيبـين وعلى شيء من الثقافة فابتعنا أرضا صغيرة من صحارى الوطن بما ادخرناه من تعب السنين ، وبحب وحذر ألقينا البذور فنمت سيقان يافعة وبراعم لم تتفتح بعد ، ففرحنا وأملنا خيرا وإذا بليلة مغبرة لانجم يفضح سماءها ولاقمر يكشف ظلمتها فوجئنا ببقايا الظلمة المندحرة تعود وتهاجم حقلنا البائس ومعقلنا الأخير بمناقيرها المثلمة والمدماة ، وهي تلتقط البذور وتلتهمها قبل أن تنبت وتنمو . وحين احتطنا للأمر وغرسنا فزاعة مضحكة لطرد المناقير الناعقة والسحنات الجهمة الساخمة . توجست الغربان خيفة وولت هاربة باسوداد سحناتها وآثار مخالبها على أديم الأرض . ولكن بمرور أيام قلائل اكتشفنا ان ما نلقيه من بذور ليلا يختفي صباحا وقد غدى كل مافي الحديقة يسوء من حال إلى حال على مر الوقت وتوالي الأيام ، حتى بتنا في حيرة من أمرنا ونحن نعض شفاهنا أسفا على ماقمنا به وعملناه خلال الأيام والسنوات الماضية من أجل أعواد القش والخرق البالية ، وحتى الزوائد والنفايات التي تشكلت منها الفزاعة . لقد اكتشفنا ان فزاعتنا كانت تتسلل خلسة في ظلام النهار لتعيث فسادا بكل ماعملناه ، ومن دون خجل تتنكب عدتها لتتلف كل الورود التي غرسناها ذات صباح مشمس وبهيج .
نكوص
بعد إن رسمت الظلال ظهرا محدودبا فوق كلس الحائط ، راحت كفه اليمنى تتقوس وتعكس ظلها القاتم على ساح الورقة بانية خيمة عرس لإعرابي عجوز . الشمعة الخامسة احترقت ذبالتها وتوشك ان ..! ( يوشك ان يعم الظلام ) الضوء يخبو وفي البيت القريب تسمع زخات رصاص . زغاريد مطر وطبول ، أنها ليلة عرس والرؤيا تغيم . أصوات الرصاص تبتعد ، تنأى كما لو تسمع من بعد طرقات باب . السطور تمتلئ ، تصطف عليها الديدان بأنساق متوازية ،تدب هاربة من فوهة بركان مشتعل وتسعى فوق نثار من رماد أزرق . ظل نتوء القلم ينعقف كمنقار صقر ، يفترس ماتبقى من بياض لحم الورقة والأصابع النحيلة في ارتجاف تحت رفيف الضوء . كلمات تتوالى والحروف السود تترى ، تزدرد ماتبقى من بياض يشعل جذوة روحه قبل ان تخنقها الأمنيات . ( يوشك ان يعم الظلام ) .. كتب جملته الأخيرة فخمد البركان وانسل ضوء شمعته الخامسة لتغيب الأصابع ، القلم ، الورقة ، تحت معطف أسود ثقيل . لقد سرق الظلام كل شيء وأخفاه بين ثنيات معطفه فيما انبجس على حين غرة صوت نبع لازمه الجفاف طويلا من فوق ناصية السرير / ألا تأتي وقد عم الظلام / .. قالت المرأة ذلك وأحنت رأسها إليه ليمسد شعرها الفضي ، جدائلها البيض كما النهار . ومن بعد بعيد تسمع طرقات باب تبتعد كما لو صرير عجلات القطار وهي تخترق الصمت العميق . ثلاثون عاما لازمته ولم تزل بأعوامها الخمسين تتقلب في السرير ، تحلم بصراخ طفل يبد د عنها وحشة الليل الطويل وهي في انتظار … ( لاعليك ، سأكمل الحكاية يوم غد ) .. قال زوجها ذلك وغيبهم السرير .
طائر
يوم رأى قفا المرآة المشوب بحمرة قصديرية ونفذت عيناه عبر الحواجز والسدود ، انعكست شذرات من ضوء وسقطت فوق جبينه الضيق الذي برز في عتمة المكان . لقد أدرك لحظتها انه طائر طليق في ليل صحراء مدينة قاحلة وعليه أن يقوم بعمل ما لتغيير المشهد . اشرأب عنقه في فسحة غسلها الضوء غير ان الأصوات عادت تكتنفه من جديد .. ( عليك بريشات جناحيه ) صرخ الأول . ( انه يزحف ) ..الثاني ( ربما يطير مرة أخرى ) .. الثالث .. الرابع .. العاشر .. و.. وحيدا كان والأصوات تقترب .. تبتعد لتذوب وراء أكمة بعيدة . حاول أن يزيل الملح عن الجروح الكثيرة والغبار العالق في الريش الرمادي ليرى أمامه ولكن لا .. لاأثر هناك إلا لطيور جارحة تدور ..تظل تدور في سماء واطئة تلامس تخوم الحدود الشرقية البعيدة ..!.. التفت شمالا .. العراء يمتد موحشا .. جنوبا .. عراء .. عراء مترام ، يطرق هنيئة وفي هشيم المرايا يجمع شتاته ، يلملم الزغب المتناثر دون حوافر الآخرين ويحاول أن يستنهض عزم الأجنحة .









