ثقافية

جلال الحنفي ورمضان 2014

زيد الحلي

 

تخيلتُ أمس، ان عاشق بغداد، وحارس تراثها الشيخ جلال الحنفي، يتجول في بغداد في اول ايام رمضان، يتلفت شمالاً ويميناً، وسط ارتفاع عال في درجات الحرارة، وانقطاع متواصل في الكهرباء (الوطنية) وتحديات أمنية تتمثل بتزايد أعمال العنف، التي خلفت عددا من الشهداء والقتلى والجرحى في مناطق متفرقة من البلاد.

 ظل الحنفي يمشي، حتى أحس بالتعب، فتوقف عند جامع الخلفاء الذي خدم فيه سبعة قرون. وقف والحيرة تملأوه.. بين ماضِ ولّى، وحاضر ترسمه أطلال المكان ووجوه جديدة تشبه الزيف والزقوم وأشباح الزنازن، أمّا الذين عرفهم بالأمس فلم يبق لهم أثر، منهم من استشهد، ومنهم من قتل ومنهم من سافر ومنهم من هاجر ومنهم من تبدل وتغيّر، لقد وجد نفسه غريباً في رمضان بغداد 2014. 

تذكّر كيف كانت ازقة وحارات بغداد، وبقية المحافظات تتهيأ لأستقبال الشهر الفضيل، وتزدان الشوارع وأسطح البيوت بعبارات الترحيب، وكيف يتبادل ابناء المحلة الواحدة أطباق الطعام، باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من مظاهر الشهر الفضيل، حتى ان كان الجار ليس بحاجة الى الطعام، فهذا الصحن يعكس المودة والاحترام المتبادل بين الجيران، وتذكر، جلسات الإفطار الجماعية التي تلم شمل الأقارب لتناول وجبات الإفطار. وتداعت له صور الزيارات بين الجيران والأقارب في ليالي رمضان، يتناول خلالها المتزاورون أطايب الطعام، وأنواع الحلوى، ومختلف العصائر، هذه الزيارات التي تبدأ بعد الإفطار وتستمر حتى وقت السحور. 

وتخيل لعبة “المحيبس” التي تضم فريقين من الرجال، يقوم أحد أفراد الفريق الأول بإخفاء خاتم بإحدى يديه، فيمد جميع أفراد الفريق أيديهم مقبوضة، ليحزر أحد أعضاء الفريق الآخر في أي يد يوجد الخاتم، فإن نجح في ذلك، أخذ الخاتم لفريقه ليقوموا بنفس العملية. يتخلل هذه اللعبة تناول المشروبات المرطبة، والحلوى التي تعد خصيصًا لمثل تلك الليالي الرمضانية، كما تخصص للفريق الفائز هدايا معينة. وكم مرة جاء فريق من اهالي المحمودية او الفلوجة، ليتبارى مع فريق من أهالي الوشاش والكاظمية، وبالعكس.

 ويتذكر الحنفي (المسحرجي) او كما يطلق هو عليه (ابو طبيلة) حيث اعتاد الصائمون على معرفة وقت السحور على وقع ضربات طبله القوية والمميزة الذي ألف الناس سماعها وصوت صاحبها (أبو طبيلة) الذي يحثهم على الاستعداد لصيام يوم جديد وأداء صلاة الفجر.

 واسترجع أهزوجة الاطفال في رمضان:

 ماجينة ياماجينة

 حلُّوا الجِيس وأنطونه

 تنطونه لو ننطيكم

 لبيت مكة أنوديكـم

 وتذكّر نكات (ابو فارس) خليل الرفاعي في برنامجه (كهوة عزاوي) و.. و .. لكن الحنفي اغمض عينيه وعاد الى مثواه، فطيب الله ثراه ، غير انني فتحت عينيَّ، تاركاً تخيلي، متلمساً واقعا غير الذي عرفه شيخنا الجليل الحنفي .. فرمضان اليوم غير رمضان الأمس، رغم ان القدسية ذاتها ففيه نزل القرآن، وبه ليلة القدر. رمضان اليوم، يُمنع التجوال فيه بعد العاشرة مساء، فلا سهر ولا تزاور ولاسماع أماسي المدائح النبوية والمقامات العراقية، ولا سماع (ابو طبيله) ولا .. ولا..! 

لمن المشتكى؟ لا أعرف!

 اخيرا .. دعواتي الى الرحمن الرحيم، ان يصّفي النفوس وان يجعل من هذا الشهر الفضيل شهراً لسد الحاجة والعوز والنقص المادي للأيتام والأرامل والمحتاجين، وان يطفئ نار الفتنة، فالعراق لا يستحق ان يستقبل ابناؤه رمضان وفي افئدتهم غصة!

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان