كنت بيدك تسرّح شعري حين كان والدي منشغلاً مع اخي هادي بحديث جانبي، فيما أسرعت تمرر المشط الصغير، الذي خبأته في جيب ما داخل سترتك، بعناية وسرعة فائقة لكي لا يتعجل المصوّر الشمسي بالتقاط الصورة التي ستزيّن القيد العام في مدرستي الاولى مطلع تشرين الثاني 1973، ومنذ ذلك اليوم وحتى عام 1977 وعلى مدى 1440 يوماً لم نفترق، وعند كل مساء نغادر الباب الرئيس للمدرسة المسائية بعد ان نقضي بين صفوفها ثلاث ساعات، تقل احياناً حال انقطاع التيار الكهربائي في وقت كنت تدّخر لي قطعة خبز جلبتها معك من البيت وتضعها بين كتبك لساعات الجوع، او تدفع الى ابو عباس، صاحب العربة المتوقفة في باب مدرستنا، ثمن ماعون الباقلاء البالغ عشرة فلوس، اقضي يومي العب من الصباح الى العصر واشاكس هذا وذاك، وازور بيوت اقاربي بين حين واخر، اما انت فيومك مبرمج بدقّة متناهية، تجتهد فيه لمراجعة الدروس وتجتاز المراحل بتفوق على الجميع..كتبك المرتبة وملابسك النظيفة وهندامك الأنيق يجعل اقرانك يحسدوك، لم تكن مثلي ابداً، منذ طفولتك لم تفارقك، ساعتك اليدوية، محفظة اقلامك الملونة، عطرك، فرشاة اسنانك، كاميرتك الفوتغرافية التي تحملها اينما حللت، احلامك تختلف عنا، حتى افكارك ونقاشاتك الناضجة، وجرأتك الأدبية لا تشبهنا، وانت تشارك في فعاليات المدرسة شعراً وغناء رغم انك في التاسعة من العمر. أخي ناصر، هكذا ادعوك، دون ان استخدم مفردة الشقيق التي ترددها انت دائما لأنني ارى الأخ اقرب لنفسي، هل تعلم متى تغيّرت عني وعن غيري من الاهل والناس ولم تعد ناصر الذي نعرفك؟ سأعود بك الى يوم صيفي موغل بالحر القائض عام 1981 حين اقترحت ان ارافقك الى محافظة ما في شمال العراق، قلت لي: صباح انت الوحيد من بين اهلي لم تر حبيبتي، ورحت تصفها لي حتى اعتقدتها ملاكاً وانت تسهب في وصف شكلها وحديثها ولقاءاتها معك، اخبرتني انك قبّلت خدّيها بلهفة عندما رأيت أن حب الشباب لم يزده الا حلاوة، اعجبتني فكرة السفر معك وقطعنا مئات الكيلومترات كي نصل الى تلك القرية البعيدة، ثم مسافة اخرى مشيناها سيراً على الاقدام وكلما انهكتني الرحلة رحت تتحدث عن طيبة اهلها وعلاقاتنا العائلية معهم وطريقتهم المحببة في استضافة القادم منا اليهم، ومثل أي فتيان نسمع ان من يزور احداً فمن اللائق ان يحمل لهم فاكهة بيده، انتقيت انت نوعية من الرطب الفاخر وملأ البقّال لك الكيس، كنت تمشي باقصى سرعتك كي تصل، وكان قلبك اسرع مني ومنك، اما انا المثقل بحرارة الشمس وسمومها ورمال الطريق التي لوّنت شعري الطويل الاسود بخيط رصاصي او رمادي فقد كنت متعباً جداً…في لحظة ما لوّحت بيدك من بعيد وصحت ضاحكاً.. ذلك هو البيت.. وزدت من سرعة خطواتك حتى طرقنا الباب وانت تستعيد اناقتك وتنتصب بقامتك التي انحنت قليلاً لشدة الرحلة.. رمقتني بنظرة خاطفة وانت تمرر يديك على قميصك وياقتك ربما اردت ان تسالني كعادتك.. هاشلوني حلو لو لا.. بشرفك كول حلو لو لا؟ لكن امها التي فتحت الباب حالت دون ذلك، لم يستضفنا اهل حبيبتك اكثر من ثلاث دقائق فقط قضيناها بين الباب الداخلي والخارجي متوسطين وقوفاً حديقة مزروعة بالحمضيات على الجانبين الايمن والايسر من المنزل، طلبت الأم وبحدّة ان نعود من حيث جئنا وان لا ترانا ثانية، ثم جاء يتمشى خلفها زوجها بتثاقل..لم يسمعنا الرجل كلمة جارحة لكنه اكتفى بوجه عابس وتمتمة لم نفهمها، وحين أدرت لهم ظهرك.. كنت التفت اليك بين حين وآخر فاجدك قد سرحت في عالم اخر.. كنت تمشي معي بطريقة لا تشبه مشيتك قبل ان نصل اليهم، عيناك زائغتان كأنك تبحث عن شيء ما، وحين تصحو من غيبوبتك تسالني.. شبيهم ذوله؟؟ ولك ما كانوا هيج من اجيهم قبل؟، ثم تجيب بنفسك عن سؤالك وتردد ان شيئا ما قد حصل.. لم تعد ناصر الذي يتحدث لي قبل ساعة عن احلامه وغرامه والمستقبل، قبل ان تعرف لاحقاً ان احدى رسائل الحب التي تبعثها الى عنوان مدرستها قد فتحتها مديرة المتوسطة، وسلمتها الى والدها الذي رمى بابنته من اعلى سطح الدار الى الارض لتدخل المسكينة المستشفى وتفقد الوعي وتصاب بكسور هنا وهناك فيسدل الستار عن قصة حب كنت تتمنى ان تتوّج بغير ذلك، مثلما كان اهلنا قد اتفقوا معهم حين كنتم اطفالاً، ومن يومها مازال جرحك ينزف على مدى 44 عاماً، وقررت ان تقفل قلبك على ذكراها وتلقي بمفتاحه في رمال تلك القرية النائية من شمال العراق.. كم من شابة حاولت التقرب اليك ولم تفلح، لأنها لم تكن تشبه تلك، ولأن المفتاح مازال بعيداً.. ولأنك مفرط بالعاطفة، لجأت الى الشعر لتلقي اليه شجنك كلّه.. فيما كان صوتك يئن بألم وحسرة اعتقد الناس انك تغني.. العجيب انك لم تجد امرأة الى الحين تشبه اميرتك تلك..! ولم تستطع نساء الارض العثور على مفتاحك الذي ربما صدئ بفعل الحر والزمن وقسوة التقاليد الفانية..
اهم الاخبار
الاخيرة
صباح علال زاير يكتب نبذة عن أوجاع أخيه
- 22 مارس, 2015
- 65 مشاهدة









