الحقيقة – متابعة
تعد بغداد من أهم المدن في العالم التي تحتوي على أماكن تراثية وحضارية لا تعد ولا تحصى، هذه الأماكن تعتبر كنوزاً لا تقدّر بثمن، من حيث الأهمية التأريخية والأثرية. حيث تتوزع هذه الأماكن والبيوت التراثية على مساحات واسعة من مدينة بغداد القديمة وعلى جانبي الكرخ والرصافة، ويعود تأريخ إنشاء بعضها إلى بدايات العصر العباسي والبعض الآخر إلى العصرالعثماني وكذلك إلى العصر الحديث.وقد طال الإهمال والتخريب هذه الكنوز على مدى عقود طويلة خاصة في ظل النظام المباد الذي لم يبال بتأريخ بغداد خاصة وتأريخ بقية المدن العراقية عامة.
في منطقة القشلة التي دمرتها الحرب الأخيرة وحطمت ساعتها الشهيرة. يقف شامخاً أحد البيوت الأثرية التي تعد عمارته الفخمة دليلاً على قدرة البناء العراقي الجمالية، ومازال هذا البيت التراثي يتحدى الزمن، وما نخشاه هو أن يطاله الإهمال في زمن الإعمار والحرية. أما في محلة الشواكة، فما زالت هناك بعض البيوت الأثرية صامدة ومعاندة من أجل البقاء حيث لا توجد صيانة ولا إعمار ولا حتى زيارات ميدانية من الجهات المعنية للحفاظ على التراث الحضاري المعماري في بلد الحضارة والتراث. في مدينة الكاظمية ، التي تعد بيوتها إرثا حضارياً ومعمارياً عظيماً، أسواقها العامرة التي تظللها الشناشيل التي تشرئب نحو السماء، شموخاً وحضارة، لكن أسفلها الإهمال واللامبالاة، وهناك الكثير من البيوت التي تعود الى أزمنة مختلفة مازالت هي الأخرى دون عناية أو متابعة. في شارع حيفا.. هناك بيوت تراثية مازالت عامرة كل من ينظر الى العراق يجد أمامه تأريخاًً عريقاً وكميات هائلة من الآثار والشواهد وبقايا العمران، تدل على حضارات قديمة جداً، أقامت على هذه الأرض المعطاءة شواهد لا يزال بعضها ماثلا،ً وأنشأت ثقافات وعلوماً أمدت البشرية بالكثير من الشواهد التي بقيت و مازالت من أهم المصادر الملهمة للمعرفة الإنسانية، إن جزءاً كبيراً من هذا الموروث الحضاري يتمثل في الدور والمباني التي شيدت على مر العصور، ولا يزال بعضها قائماً ويحتاج الى الصيانة وإعادة التأهيل لتتم الإفادة منه وليبقى شاهداً على مهارة المعمار العراقي.عن كيفية المحافظة أغلب هذه الأبنية القائمة تم تشييدها قبل بداية القرن العشرين، وعلى سبيل المثال لا الحصرالبيوت البغدادية الموجودة حالياً في شارع حيفا. هذا التشكيل العمراني هو جزء من تاريخ وتراث المدينة، تتجسد فيه أحداث تعايشت وعاشت معها المدينة، وفيه عبق من الماضي عاشه وتعايش معه معظم سكان هذه المباني والتشكيلات العمرانية التراثية تحمل خزيناً فنياً للتفاصيل العمرانية والمكونات التي جاءت نتيجة الخبرة التي اكتسبها البناة المهرة على مر العصور، والتي نماها وطورها هؤلاء البناة المهرة ليتحول كل ذلك الى رصيد يستفيد منه البناؤون الحاليون أحفاد الأجداد العظام. من ذلك تتبين لنا أهمية الموروث من المباني والفنون المعمارية الحاضرة في مدننا القائمة
أولى المناطق التراثية التي نعمل على إنقاذها من الإندثار هي منطقة الشورجة التي تعتبر منطقة الأعمال التجارية المركزية في بغداد، وتضم هذه المنطقة إضافة إلى سوق الشورجة الرئيس الأسواق القريبة منه القديمة والحديثة وتلحق بها أجزاء من شارعي الرشيد والخلفاء ومنطقة البنوك وبعض الأحياء السكنية المجاورة، ويوصي المجتمعون بالحفاظ على روح المنطقة التقليدية وإبقاء الطابع التراثي والحفاظ على المهن السائدة. والإختصاصيون يوصون بإشراك غرفة تجارة بغداد واتحاد رجال الأعمال كونهم ممثلين للمستثمرين وبإسهام دوائر الدولة المعنية والجهات المالكة في ذلك، وقد تم التأكيد على أهمية عقد مؤتمرات علمية تخصصية حول كيفية تطوير المنطقة يتم فيها تقديم مقترحات علمية وعملية وعرض مشاريع تخطيطية ومعمارية لأمثلة مشابهة لتطوير المراكز الإدارية والتجارية المماثلة في مدن عالمية.
التركيز على القياسات العلمية الميدانية والتحليلات المنطقية والنتائج المترتبة عليها لتقييم البيوت العربية التراثية الاصيلة في بغداد قد بنيت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وفي الربع الاول من القرن العشرين.يتميز البيت البغدادي بسطوحه المتوزعة حول فتحة فناء الدار في الطابق الثاني والتي تستعمل للنوم اثناء الليل طوال موسم الصيف.وهناك ميزة فريدة في البيت البغدادي وهي احتواؤه على سرداب وشبه سرداب واحد او اثنين او ثلاثة تكون حول اضلع فناء الدار التي لا تتعرض لاشعة الشمس صيفا، وتكون ارضيتها منخفضة عن ارضية فناء الدار، وهي اكثر برودة من اي مكان آخر في البيت، واحيانا يحتوي البيت على سرداب ارضي عميق وتكون ارضيته حوالي خمسة امتار تحت ارضية الفناء ويضاء بواسطة مسميات (كوات) في ارضية الفناء. ويتميز البيت بمدخله المعوج.ومن خصائص البيوت البغدادية الاصيلة خارجيا هي تطليعة الطابق الاول، حيث تبرز ارضيته وجداره الخارجي على الازقة مؤلفة ما يسمى محليا بالشناشيل التي تحتوي على المشبكات الخشبية. الشناشيل في البيوت البغدادية التراثية تعادل المشربيات في البيوت المملوكية القاهرية وتعادل ايضا الرواشين في بيوت جدة التراثية الحالة المناخية السائدة والبيئة الحرارية الناتجة عنها داخل العمارة المحلية، التي تتم على ثلاثة مستويات، هي تقييمها على مستوى المنطقة، ومن ثم على مستوى الازقة، وبعد ذلك يتم تصنيفها على مستوى البيوت الاصيلة نفسها.وبحسب مفهوم المحلة فإن البيوت التراثية تشكل كتلا بنائية متلاحمة، حيث انها تبنى متلاصقة جنبا الى جنب وظهرا على ظهر ولا تبدي إلا واجهة واحدة هي الأمامية المطلة على الأزقة. اما من ناحية تخطيطها فإنها تتصف بنمو تدريجي متجانس مع ازقة تفصل كتلا بنائية بعضها عن بعض، وهذه الطرقات نفسها لها مستوياتها من ناحية الطول والعرض وعدد البيوت التي تؤدي اليها والاصغر منها هي الدربونة الصماء او العمياء التي لا تعطي اي منفذ، بل تؤدي الى بيوت قليلة. ان مفهوم تصميم هذه البيوت يؤدي الى حماية احدها للآخر من الشمس المحرقة صيفا ومن زخات المطر شتاء وبهذا فإن هندسة تلك البيوت تعرض اقل مساحة سطحية لأشعة الشمس.كما ان التخطيط والانشاءات المتلاحمة والكتل البنائية المتلاصقة هي نتيجة تبني فكرة استعمال الفناء الداخلي للبيت (الحوش) وكذلك تبني فكرة / مبدأ توجيه الغرف ونوافذها نحو الداخل بدلا من الخارج (ما عدا الغرف الخارجية للطابق الاول التي تحتوي على الشناشيل التي تعطي طرقات بغداد وازقتها ودرابينها الميزة المعمارية الخاصة بها).









