ثقافة شعبية

جحود الأبناء.. مرافئ الصمت الأخير

زهير الامامي

في بقعةٍ من الأرض لم تطأها خرائط أطماعهم، وعلى شاطئ بحرٍ لا يصله إلا النوارس والريح، شيدت الكاتبة “ليلى” مملكة عزلتها. باعت كل خيوط الماضي، وأحرقت جسور العودة، واشترت بيتاً متواضعاً يغسل الموجُ عتباته، لتختفي تماماً عن أنظار أبنائها الأربعة الذين ظنوا يوماً أنهم يملكون روحها قبل مالها.

المؤامرة الموؤودة

في غرف القصر القديم، كانوا ينسجون قيود “الوصاية” ويدبجون تقارير “الجنون”، بينما كانت ليلى تنسج خطة الخلاص. بذكاء الكاتبة التي تعرف متى تنهي الفصل قبل أن يفسده المتطفلون، توارت عن الأنظار؛ رحلت في جنح الليل، لم تترك خلفها عنواناً ولا أثراً، بل تركت لهم “السراب” الذي تقاتلوا عليه، بينما مضت هي نحو الحقيقة الوحيدة: أن تعيش ما تبقى من عمرها سيدة نفسها.

عزلة “ليلى” المقدسة

هناك، خلف تلال الرمل والملح، عاشت ليلى عزلةً تامة لم يخرق صمتها سوى ضحكات “نور”؛ تلك الطفلة التي تبنتها لتعلمها أن الأمومة نبضٌ لا يحتاج لشهادة ميلاد. كانت ليلى تجلس أمام آلتها الكاتبة، تدون تفاصيل هذا الهروب العظيم، وتصف كيف أن البحر أرحم بالمرء من دمه ولحمه. أصبحت أسماء أبنائها بالنسبة لها مجرد “شخصيات ورقية” في رواية قديمة قررت إغلاقها؛ لم يعد يؤرقها السؤال عنهم، بل كانت تنادي الشاطئ كل صباح، تخاطبه كأنه الربان الذي يقود سفينتها نحو الصفاء، وتقول في سرها: “لقد أضعتُ الطريق إليهم عمداً، لكي لا أضل الطريق إلى الله”.

النهاية: البحث عن السراب

وبعد سنوات، حين استنفد الأبناء ثروتهم واصطدموا بمرارة الحاجة، بدأوا رحلة البحث عن “المنجم” الذي هجروه. جابوا المدن، وسألوا المحافل الأدبية، واستنطقوا كل من عرفها، لكن الجواب كان دوماً: “ليلى اختارت أن تكون سراً من أسرار البحر”. وعندما عثروا أخيراً -بمحض الصدفة- على مكانها، وجدوا أنفسهم أمام حصنٍ من الصمت؛ لم يجدوا ليلى التي يستجدونها المال أو المغفرة، بل وجدوا بيتاً خالياً إلا من صدى قلمها. كانت قد رحلت تاركةً خلفها آخر أوراق مخطوطتها “جحود الأبناء”، وفي آخر صفحة منها سطرت هذه الكلمات التي كانت صرخة العزلة الأخيرة:

“إلى الذين بحثوا عني ليس حباً بل حاجةً.. لقد اخترتُ بحراً لا تعرفون مرافئه، واعتزلتُ دنيا كنتم أنتم شقاءها. لا الندم سيعيدكم إلى قلبي، ولا العناوين ستقودكم إلى دربي؛ لقد شيعتُ ذكراكم في صدري يوم وأدتم مروءتكم تحت أقدام الطمع، وولدتُ في عزلتي يوم غسل البحر أثركم من ذاكرتي. اذهبوا.. فليس لكم عندي سوى الورق، أما أنا فقد صرتُ حرةً كالموج، وبعيدةً كالأفق”.

وقف الأبناء أمام شاطئ لا يعرفهم، ينظرون إلى البحر اللانهائي، مدركين أن أمهم لم تكن مجرد امرأة غنية سرقوا مالها، بل كانت “كاتبة قدرها” التي وضعت نقطة النهاية في مكان لا يمكن لأي جحود أن يمحوه.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان