ياسين الزّبيدي
غرف مغلقة
الغرف المغلقة علامات استفهام مبهمة وعيون منطفئة، الغرف المغلقة تفتح بوابات الأسئلة وتنثر حولها نجوم الشك. على طول الممر الذي يمزق صمته وقع أقدامي، تصطف تلك الغرف الواحدة تلو الأخرى، فاتحة شهية لساني لثرثرة تقودني إلى غضب الإله. خلف تلك الأبواب هذيانات ورغبات آثمة، ومعاول شبقة وأراض أنهكها عطش الانتظار. ثمة مراوح بلهاء وستائر تتفصد عرقا من خجلها، وثمة هواتف ضاع رنينها وسط أصوات مجنونة. الغرف المغلقة تطل من الجانب الآخر على ساحة تمتلئ بجموع الموظفين المتهيئين للخروج، بينما عيونهم ترنو إلى نوافذ عالية يتراقص خلف ستائرها أشباح يختلط بعضها ببعض، أشباح تغرق باللاوعي، بينما الموظفون المتهيئون للخروج يحدقون بساعاتهم التي أعلنت تمام الثانية بعد الظهر.
عقوق
حينما كانت الريح تعول في الخارج وتضرب الأبواب بعنف لتصدر صريرا يشبه شخير الموتى وهم يسلمون الروح، كان هو هناك يتوسد القلق ويبحث في الذاكرة القلقة عن صور كثيرة. بعض الصور تبدو غائمة، وبعضها غطتها أتربة الزمن المتراكمة. استل من ذاكرته صورة قديمة لامرأة لم يعد يتذكرها، قلبها في يم ذاكرته الهائج، أبعدها وقربها، لكن خطوط الزمن وذرات التراب كانت أقوى من أن يتمكن من معرفة صاحبة الصورة. كانت نظراتها مستفزة، فلقد كانت عيناها تشيان بحزن الفراق. كانت ذراعاها المفتوحتان على سعتيهما أقوى من أن ترد. تحسس شفتيها، شفاه لطالما غنت له في ساعات الليل المسافر. أطال النظر إلى ثدييها العظيمين، هو لا يدري أين أبصر كل ذلك الفيض والحنان. تلمس يدها المضيئة، تلك اليد التي لطالما قادته بحنان نحو أكواخ السلام، ولطالما اضطجع عليها كملك عظيم. تلك الصورة المجدولة بالرهبة والماضي الجميل أضحى تذكرها عصيا على الذاكرة الجحود. لقد أبى العقوق إلا أن يمتطيه فرسا ذلولا، ماسكا بعنانها يقوده حيث يريد، تاركا وراءه امرأة تسعى، مادة ذراعيها نحوه بحنان، منشدة نشيد الشوق والذكريات، بينما هو ييمم وجهه صوب جدران القسوة.









