علي كريم الطائي
إن تعريف الشعر العربي اصطلاحا ليس بغريب على الشعراء والباحثين وأصحاب المعرفة بهذا النوع من الأدب وقد عُرف أي الشعر بأنه كلام مقفى وموزون ودال على القصد والمعنى ويكون أكثر من بيت أو سبعة أبيات فما فوق . و لايمثل الشعر العربي أرثا حضاريا أو موروثا ثقافيا فقط بل هو خزينة من خزائن العرب وسجلا نفيسا إذ حفظ لنا تاريخا مدونا للقبائل العربية وبطونها بكل تناقضاتها وأبطالها وملامحها وملاحمها فترى بقراءتك له تجد فيه الصدق والحكمة وغيرها، وبعض القصائد تفرض على الناس المعاني الشريفة، و الفوائد الجليلة، و تنقل الحكمة النصح و الأخلاق إلى الآتي من الأجيال، حتى ترى به آثار الماضيين مخلدة في الباقين . ولولا الشعر لما عُرفت الجغرافية العربية بصحرائها وسهولها وجبالها . فالشعر أغنى العلوم العربية بما تحمل من مواضيع البلاغة والبيان والنحو واللغة .
ولا يخفى أيضا أنه قد اًستخدم لسائر الأغراض كالمدح والهجاء والحماسة والرثاء والغزل وحتى الفلسفة ويكاد يدخل في كل شأن من شؤون الحياة العربية. وقد ذُكر أن أبا رجاء الأسواني الشاعر صاحب أطول قصيدة في الشعر العربي وهو أديب وفقيه وذكر في قصيدته الطويلة أخبار العالم و قصص الأنبياء نبيًّا نبيًّا عليهم السلام وأيضا دون فيها الفقه والطب و الفلسفة. وعندما سٌئل قبل موته بسنتين : كم بلغت قصيدتك إلى الآن ؟ فقال : ثلاثين ومائة ألف بيت، وقد بقي عليّ فيها أشياء. إن الشعر العربي القديم بأصالته ورصانة لغته وقوة أسلوبه , يرتبط بقدرة الشاعر والاحتفاظ بشخصيته على التفاعل بما يلهمه به عصره لذلك ترى الشاعر ملتزما بشكل القصيدة وكينونتها أي انه يلتزم بتفعيلة موسيقية واحدة وبصدر البيت الشعري وعجزه .وقد أثرت التحولات الكبيرة السياسية ،والثقافية والاقتصادية وحتى الاجتماعية التي ظهرت بكل مناحي الحياة على الإنسان العربي وبالتالي أثرت أيضا على حركة الشعر العربي وتغيرت مضامينه وأهدافه وغاياته حسب تغير الازمنة فترى شعر العصر الجاهلي يختلف بمضمونه ومحتواه وغايته عن شعر صدر الإسلام وأيضا يختلف عن شعر فترة العصر الأموي والعباسي لكن ظل محافظا على شكله وتفاعيله أوتفعيلته المختلفة.
أما في العصر الحديث فقد أٌسست ونمت في أحضان المهجر حركات وتيارات شعرية لكنها ظلت تراوح بتقليدها الشكلي وان كانت محاولة للتغيير نتيجة الاحتكاك بالثقافة الغربية. لكن ظهرت تجارب شعرية حديثة تتفق على الخروج بالشعر من إطاره التقليدي إلى حدود التجربة غير التقليدية وتبلور هذا الخروج عن شكل البيت الشعري التقليدي ونظام القافية الواحدة، فالشعر العربي الحديث قد انطلق من العراق واستطاع أن يلعب دورا رائدا في مشروع التحول الثقافي والاجتماعي، وواجه الشعراء العراقيون انتقادات لاذعة في الساحة الشعرية العربية آنذاك . ففتح الشاعر والرائد الكبير بدر شاكر السياب 1926-1963 الباب إلى جنة أخرى من الشعر والذي سميً بالشعر الحر بقصيدة تحمل عنوان “هل كان حبا”حيث يقول في المقطع الأول
هل تسمين الذي ألقى هياماً؟
أم جنونا بالأماني؟ أم غراما ؟
ما يكون الحب؟ نوحاً و ابتساما؟
أم خفوق الأضلع الحرى إذا حان التلاقي
بين عينينا فأطرقت فراراً باشتياقي
عن سماء ليس تسقيني إذا ما؟
جئتها مستسقياً إلا أواما
لكن في كتاب” قضايا الشعر العربي المعاصر” للشاعرة الكبيرة نازك الملائكة 1923حيث تقول في قصيدة الغرباء بأحد مقاطعها:
اللقاء الباهتُ الباردُ كاليومِ المطيرِ
كان قتلاً لأناشيدي وقبرًا لشعوري
دقّتِ الساعةُ في الظلمةِ تسعًا ثم عشرا
وأنا من ألمي أُصغي وأُحصي. كنت حَيرى
أسألُ الساعةَ ما جَدْوى حبوري
إن نكن نقضي الأماسي, أنتَ أَدْرى,
غرباءْ
وأيضا تقول أنها أول من نشرت قصيدة حرة في عام 1947 ولكن تشير هذه الشاعرة العملاقة الى أن بدر شاكر السياب قد نشر في الشهر نفسه مجموعة شعرية عنوانها ” أزهار ذابلة “فيها قصيدة حرة عنوانها “هل كان حبا”وبغض النظر عماذكر في كتاب الشاعرة نازك الملائكة من غياب الكبير بدر شاكر السياب ولكن قد منحوه جواز مرور لعالم الشعر الحديث وتبع بركبهم بعد أن كان معارضا للشاعر عبد الوهاب البياتي. ثم جاء الشعراء امثال يوسف وأدو نيس وغالي شكري وعبد الله العروي وكمال أبو أديب وصلاح فضل وصلاح عبد الصبور.ليدخلوا بداخل دار التجريب الشعري الحديث من البوابة العراقية التي فُتحت في وادي الرافدين .وبالرغم من الانتقادات التي وجهت آنذاك لهذا التجديد الشعري وليس بصدد ذكره . وإنما بصدد ذكر مجموعة من الأدباء فقد ظهرت ككتاب وشعراء وقد تبنوا أعرافا أدبية ذات خصائص محدده تختلف بنتاجهم الشعري الحداثوي من خلال نتاجهم الشعري النثري , وتبعهم آخرون إعجابا بأسلوبهم في النظم ثم انتشر هذا الأسلوب النثري وتأسس وشاع ، و “قصيدة النثر” تكون مفتوحة من دون تقييد بالوزن أو القافية وموسيقاها تضرب في كل الاتجاهات الفنية أو تكاد تخلو من موسيقاها التناغمي بحيث اصبح كل من يكتب كلمات مرتبة تحت بعضها البعض ربما يقول أنه كتب شعرا نثريا فقد ضاعت كل مقاييس الشعر ذات الموسيقى التفعيلية وتكونت حسب تذوق الشاعر أو المتلقي إلا أن هذه القصائد أي قصائد النثر لا تخلو من مقطوعات شكلية بجمل غاية في الروعة الفنية والجمالية وفقا لثقافة الشاعر وقوة شاعريته لكنها تتميز بالغموض، والإيهام والرمز ويستعصي الكثير منه على التحليل والتقويم والنقد بمقاييس مألوفة.
وهذه هي الأبواب الشعرية العربية وانفتاح نوافذها حسب ألازمنة التي مرت بها ، ونجد أن الشعر الشعبي العراقي لايختلف بانسجامه وأوزانه إلا باللهجة أو اللغة الدارجة التي يتميز بها بلاد نهر الشعر فمثلا أن بحر الهزج وتفعيلته هي “مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن” وهو ثماني التفعيلة يسمى وزن الطويل باللهجة الدارجة وبحذف التفعيلة الاخيرة يطلق عليه وزن التجليبة وبعلة الكف التي هي حذف السابع الساكن يطلق عليه وزن النصاري وهكذا بالنسبة للاوزان الدارجة من هذا البحر ولا يختلف بحر البسيط وتفعيلته “مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن” ويسمى باللهجة العامية بوزن النايل وأيضا بنفس الوزن يسمى وزن الزهيري باختلاف الجناس في آخر البيت الشعري . أما بحر الرمل وتفعيلته هو” فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن” وهو سداسي وبعلة الحذف بآخر التفعيلة الأخيرة يطلق عليه اسم وزن الموشح ، وبالعلل وأقسامها تتولد لدينا أوزان شعرية شعبية ، .
وفي كتاب “العروض في الشعر الشعبي العراقي” يذكر مؤلفه ربيع الشمري في صفحة 254 هناك 504 من أوزان الشعر الشعبي العراقي ولا مجال لذكرها ولكن هذا الرقم يعتبر رأيا للشاعر ، وبعض الكتب تشير إلى أن للشعر الشعبي العراقي أوزانا لاتتجاوز 16 وزنا ويذكر الشاعر والكاتب شاكر التميمي في كتابه القيم ” أوزان الشعر الشعبي في ميزان الفراهيدي” هناك 39 وزنا مهما ولكنه يشير كذلك إلى أن هناك أوزانا كثيرة لم يذكرها في كتابه .
ومن المتعارف عليه أن القصيدة الشعبية لا تختلف عن القصيدة الفصحى من ناحية الشكل فلها صدر وعجز وبتفعيلة واحدة .ولكن ينحى الشاعر العراقي المبدع بسعيه لنبذ الصيغ الجامدة ونبذ الهيمنة شبه المطلقة على المحددات الاستعارية، ضمن هامشها الضيق الموروث والكلاسيكي وخصوصا بعد دخول بعض الشعراء الاكادميين والمثقفين إلى سلة الشعر الشعبي واغتراف بعض الشعراء الشعبيين من سلة الاغتراب والاحتكاك بعالم آخر من عوالم الابتعاد عن أوطانهم فظهرت قصيدة ذات الشطر الواحد وبتفعيلة واحدة أي إسقاط شطر كامل واعتبار الباقي بيتا كاملا وتسمى” بالمشطور”وبتجديد آخر اشغل الشاعر الكبير مظفر النواب 1934وبجدارة وصدارة المشهد الشعري الشعبي العراقي والفصيح من شعره.
وأيضا كان الشاعر الكبير جمعة الحلفي1952 في طليعة من أخذ شعره الشعبي، ينازع تراث النواب على الصدارة، وعلى الاستمرارية والتجديد ، كما في مجموعته الشعرية (مليت ) إلى مجموعته الأخرى (عطر الغايب) ويقول في أحد مقاطعها:
شارسم بفضة عذابي
ولوح عمري حجاية منك
شكتب بدفتر غيابك؟
طولك؟
طولك مثاوب مستحه.. وكذاب نومك
من أجيسك
تنفرط حبات روحي اعله الشراشف
شلون المْ روحي وألمك؟
شلون بيّه.. شلون بيك؟
و يقول جمعة الحلفي “إن حركة تجديد الشعر الشعبي العراقي وعلامتها الأولى الأساسية قصيدة النواب (الريل وحمد) قد انطلقت في مطلع الستينات، مثيلة لحركة التجديد في الشعر العربي (الفصيح) التي سبقت على يد السياب ونازك والبياتي”.
وبعد ظهور حركة التجديد والحداثة في الشعر الشعبي العراقي ظهر نوع آخر من القصائد ألا وهي “الومضة ” ومن يسميها وقفة أو محطة وليس بقصيدة وهناك جدل بين من يقول هي جزء من البيت الشعر والآخر يقول إنها ليس أكثر من بيتين شعريين وبعض الشعراء يقول إنها مقطع واحد أو قسم واحد فقط وبعضهم يقول إن القصيدة سبعة أبيات فما فوق وما دون ذلك فهي ومضة.والرأي الذي انتمي إليه يقول هي عبارة عن بيت واحد أو أثنين من الشعر يختم بدهشة أو بمفارقة .كأن تقول “اشكد وجوه تتخاطف اعله العين؛ ولا واحد يشبهك حته احبه”أو كأن تقول “سألوني عليك وكلت ما موجود ؛ طلع من صدري كلبي وصاح كذاب”.
أنجبت الثقافة الشعرية للشعر الشعبي قصائد من النوع الحر أو كما يحلو للبعض أن يسميها قصائد الشعر المفتوح ولكن بجرس موسيقي متناغم بتفعيلة وزن واحد ولو أن هناك فرقا بسيطا بين الحر والمفتوح فالقصائد التي من النوع المفتوح تلتزم بعض الشيء بالقافية حتى ولو كانت متعددة أما القصائد الشعبية الحرة ليس شرطا إلزاميا عليها القافية وإن جاءت .إن أغلب الشعراء المغتربين قد تأثروا بشعر الشعبي الحر ونحو بمنحاهم على موانئهم لشواطئ قصائد الكبير مظفر النواب والكبير جمعة الحلفي وكاتب المقال من أرخى بروحه على تلك الموانئ بعد أعوام الغربة الطويلة جاءت بعض مقاطع لقصيدتة صدى الروح:
تندي روحي…
من تمر عالبال عينك
ومن أشم عطرك اعرفه…
هي روحك مو عطر
ومن تدك بابي الليالي…
أتيه روحي…
وتستحي سنيني…
وتدنك ماتباوع بالمرايه
منين اجاني الخوف هذا…
الما اجه مره اعله بالي
ومنين غافلني الكبر…
من ياكتر طبلي واجاني
ومنين اجاني الشيب…
دك بابي غفل سرعه غزاني
عفيه كلبي شلون شايل
ماضي مايقبل يموت… لايموت…!!!
خل يروح الديره عاشرهه فرح من دون موت
سافرت لبعد مكان…
واللي جان ابالي باقي هوه هوه
ذكريات… ولمه طاردهه الوكت …
وفرهداها بلايه رحمه
آخ يابيت الحبايب
من تلم ذولاك أهلنه…
ونكعد بكسرة فيايك
جاي حار يفوح عطره…
يوصل التالي المحله
سافرت لابعد مكان…
والي جان ابالي باقي هوه هوه
ومن اجيت … المن اجيت…؟؟!وشلكيت
الكيت ناس مطشره بلايه محنه…
والأطفال التلعب براس العكد…
صارت زلم لمن اجيت
والجبير السافر بلايه وداع
وانه اجيت… ابلا عمر لمن اجيت
ردت أدور عن حلم ما دوريت
ردت احصل عن أمل ماحصليت
ليش من جاك الخريف ويله اجيت
هسه اجيت..؟؟!! ليش اجيت….
ولكن من غير الممكن بل من المستحيل ان تولد يوما قصيدة شعبية نثرية ، وإلا فقد يصبح الشعر الشعبي العراقي ليس بشعر بل كلاما خاويا دون حياة .لا أدري ربما أٌنتقد على جملتي الأخيرة فتولد قصيدة شعبية نثرية.









