صباح علال زاير
تكبرني بسبعة عشر عاماً حين ولدت عام 1949 بعد هادي بثلاث سنوات ورحلت عنها في وقت مبكر زكيّة التي تلتها مباشرة اثر مرض الحصبة قبل ان تتجاوز ربيعها الخامس، عندما فقدت والدتي نعمة البصر كانت هديّة في سنتها الثامنة لكنها تحملّت الكثير من المسؤولية، رعاية اخوتها واعمال الفلاحة وامور المنزل من الطبخ والخبز وغيرها.
ذاكرتي لا تختزن الكثير من المحطات معها قبل زواجها في شتاء 1969 لكن اصرارها على ان اكون معها في قضاء ابو غريب في تلك السنة كان ماثلاً امامي، قالت اريد ان يكون “صبّوحي” معي حتى “يرد وحشة الغربة عنّي”، سكنت معها في بيتها الجديد اضافة الى زوجها “ابن عمتي”، الذي يكبرها بنحو عشر سنين، وعمّتي اكبر بنات زاير الأخت غير الشقيقة لأبي، لم تمر مدة طويلة على اقامتي معهم حتى اعادني هادي الى بيتنا عندما زارهم في يوم ما مرتدياً بدلته العسكرية برفقة جندي من اصدقائه، توّسلت به ان لا يأخذني معه دون جدوى، بكت بشدّة وقبّلت خدّه ليتركني لكن السيارة المتجهة من الفلوجة الى علاوي الحلة قد توقّفت ملبيّة اشارة منه على الشارع العام لأستقر فيها، ادرت رأسي الى الخلف حالما دارت عجلات تلك السيارة، وكانت المنطقة المقابلة لسوق ابو غريب من الجانب الأيسر للطريق مليئة بالاشواك والحجر، لأرى أن هديّة قد افترشت الأرض واضعة يديها على خدّيها وتجهش بالبكاء.
في الطريق استذكرت الأشهر التي امضيتها هناك… نومتي على سطح الدار التي منحها لهم الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم في مطلع ثورة 1958 اسوة بباقي العمال والموظفين في معمل عتاد اليرموك القريب… قوري الشاي الذي كانت تحمله ابنة اخ زوجها واصطدم بظهري وسبّب لي حروقاً في كتفي، ولم يكن بوسعها الا ان تعالجني بوضع معجون الطماطة على مكان الألم وتحاول حبس دموعها التي ابتلّ بها ثوبي… الدموع التي شاهدتها مرة اخرى عندما صفعني ابن عمّتي حين دار بيني وبينه هذا الحوار:
قلت له: هاي ساعتك؟
– اي ساعتي
– ليش ما لابسها؟
– عوفها بعدين البسها
– انت مطي؟
جاءتني صفعة شعرت ان راسي قد انفجر بعد ان فوجئ الرجل بكلمتي الأخيرة من غير ان يتذكر انني طفل في الرابعة من العمر، ليجلب لي في اليوم التالي بدلة حمراء مطرزة بقليل من اللون الأبيض من باب جبر الخاطر.
لم انقطع عن زيارتها فيما بعد وفي كل مرة اغادر بابهم التفت فأجدها قد سكبت الماء خلفي بعد ان تملأ حقيبتي بفاكهة وطعام تصر ان تطبخه بنفسها لكي لا احتاج الى مطاعم الطريق وأكل السوق.
بعد خمسة عشر عاماً قررت في منتصف الثمانينيات ان اتزوج في بيت اختي… ثم بعد سنوات اخرى استأجرت داراً قريبة لأعيش هناك.. لكن هديّة هي التي قررت الرحيل هذه المرة عام 2004 والى الأبد عندما دخلت لمدة يومين في مستشفى ابو غريب لإجراء عملية استئصال الغدة الدرقية، وقبل وفاتها بساعات طلبت ان تراني لكن احداً لم ينفذ ما ارادت… غادرت من غير ان نرش طريقها بالماء لتلحق بهادي وزكية ووالدي قبل ان تبلغ الخامسة والخمسين من العمر…. منذ رحيلها لم ادخل دارها حتى هذه اللحظة بل حتى نهاية عمري.









