وهكذا مرّ الصباح وفيروز تغرّد بلحن ثمالة العواطف, شعرت اني ولأول مرة, لا أوافق هذه السيدة الساحرة, فهي تقول: أنا عندي حنين ما بعرف لمين, ليلية بيخطفني من بين السهرانين. فيروز هذه التي تملأ الصباح تفاؤلا لا تعرف لمن حنينها, فما بالك بي وقد عرفت ذلك الحنين؟!
نعم, إنه الحنين لمقاعد الدراسة, إشتقت جدا لها كمتيم إشتاق لحبيبته, مرّت تلك السنون كأنها أحلام يقظة, بكل ما فيها من ظروف حين كانت أجمل سنين العمر وأشهاها, بل وألذّها. الا ليت الزمان يعود يوما. من حياة تبلغ من العمر (16) سنة من الابتدائي الى الثانوي الى الجامعي, مرت وكأنها حياة أنسان غير هذا الذي اعيش.
ربما يختلط مزاج كئيب وأنا اتذكر ايام دراستي المحشوّة بالحرمان وقصائد في حب القائد, طفولة لم ندرك منها الا الحروب والبنادق وآباء تركونا بلا وداع لجبهات قتال لا مكسب منها. العراق هو الوطن الوحيد الذي يخوض الحروب ليخسر أكثر وأكثر. العراق هو الوطن الوحيد الذي يؤدي أطفاله الدورين, تلاميذ في الشتاء عمّال في الصيف!
وحين شبّ فينا العمر تلاقفتنا أفكار بالسخرة, هل انت مؤيد أم نصير؟ تصوروا ان طفلا لا يملك حذاء محترما وقميصا بلون واضح يُسأل عن مبادئ الحزب والثورة!.
فيروز توقظ فيّ كل ذلك الحنين, وأنا ارى الاطفال تسير بهدوء نحو مدارسها في صباحات بغداد الدامعة. ربما لا يدرك الاطفال أن ثمة مستقبلا غامضا يحيط طموحاتهم, فهم أطفال لا يشبهون أطفال العالم, أنهم الاطفال الوحيدون المعرضون لأية لحظة للموت في سبيل اللا شيء, لان الموت صار يدرك الاطفال ولو كانوا في مدارس مشيدة!.
لا أحب جوَ التشاؤم هذا, ولا أنوي الكتابة فيه, لكنهم يسوقون اقلامنا عنوة له. الا أن منظر العام الدراسي الجديد يبعث في قلوبنا أملاً بحياة مشرقة, حياة أفضل وجيل أفضل.





