كتاب الحقيقة

ذئبة حمراء تفترس جسم العراقي

حازم لعيبي

 

نتيجة الخوف من بطش السلطة قد ينأى الفرد بنفسه عن المواجهة او المشاركة في حال مشاهدة حالة خاطئة او اعتداء على ممتلكات عامة او اي نوع من التجاوز على القوانين و الأنظمة ، اللامبالاة و عدم الشعور بالمسؤولية إزاء ما يحدث حوّل المواطن من مشارك الى مواطن غير مشارك ، من إيجابي الى سلبي . إن ادعاء اغماض العينين عند مشاهدة الأخطاء بمرور الوقت صارت جزءا من شخصية الانسان العراقي ، فبدلا من المشاركة الفاعلة و التبليغ عما يحدث من اعتداءات و تجاوزات صارت ثقافة ال ” آني شعليه ” سائدة و بالتالي بدلا من حماية ممتلكات البلد و التبليغ عن المقصرين و المتجاوزين فان المواطن يساهم بصمته و عدم شعوره بالمسؤولية إزاء الممتلكات العامة بالتخريب و بالفعل الخاطئ ذاته .

في أولى سنوات الهجرة عملت حارساً في مجموعة بنايات عبارة عن مرآب لوقوف سيارات . كنا أنا وزميل عمل يتجاوز عمره السبعين عاماً نقضي ساعات العمل الثمانية سوية و بشكل يومي عدا يومي راحتنا كل نهاية أسبوع . و بشكل لا إرادي كنت أحاول ان انأى بنفسي و أغمض العينين و أصم الأذنين عما يدور حولي و ما أشاهد ، في الوقت الذي اتهرب فيه من الشعور بالمسؤولية كان زميلي الأمريكي يراقب كل شاردة وواردة ، لدرجة أنني سألته احد الأيام عن “ملحته الزايده عن اللزوم” هذه بطريقة ودية جداً و رغبة مني لمعرفة لِمَ يدون في تقريره اليومي كل ما يحدث ، و لم يتصل بالهوكي توكي و يبلغ عن خلل هنا و سلوك خاطئ هناك ، و من اين له هذا النشاط و هو العجوز السبعيني ، وقد تعلمت كثيراً من إجابته ( هكذا تحمى الأوطان ) او انه الوطن و علينا جميعاً واجب حمايته . العجوز داني تمكن في إحدى الدوريات من إيقاف شخص حاول التهرب من دفع ألاجرة التي لا تتجاوز الدولارين ( تقريباً ألفين دينار عراقي ) معرضاً حياته للخطر ، قافزاً أمام السيارة و بحركة شجاعة تمكن من القبض على الشاب الذي حاول التملص و الهرب مع أننا كنا معاً و بنفس الواجب ، و انا الأصغر عمراً حاولت لا ارادياً “طبعاً” عدم المشاركة و الابتعاد قدر الإمكان عن المساهمة في مهمة القبض على ذلك الهارب ، و بعد انتهاء المهمة تمثلت دوراً بُنِيَت شخصيتي عليه و تربيت عليه ألا و هو المواطن غير المسؤول ، معظم حياتي و أنا امشي بصف الحايط و يمشي معي ملايين ، شاهدنا بتلك المسيرة أشكالا و أنواعا من السلوكيات الخاطئة و لم نحرك سكاناً إزاءها ، اي و الله لم نحرك الساكن . و السبب كما قلت الخوف من مسؤولية المواطنة الصالحة .

التهرب من المسؤولية موقف سلبي غالباً ما يودي بالفرد و الجماعة الى المساهمة بالفعل الخطأ ، الساكت كالفاعل الأصلي لا بل العن من الفاعل ، إن هذا الفعل السلوكي يشبه بدرجة كبيرة مرضاً غريباً و نادراً يطلق عليه الطب اسم: ” الذئبة الحمراء ” أو ” الذئب الأحمر” يحدث نتيجة خلل في الجهاز المناعي تجعله بدلاً من حماية الجسم من البكتريا والفيروسات فإن الجسم يهاجم نفسه. العراقيون بعد و قبل عام التغيير ٢٠٠٣ بدلا من حماية البلاد من الإرهاب و الفساد نراههم يهاجمون البلاد و انفسهم ، و لانهم جزء لا يتجزأ من البلاد ، وهم جهازه المناعي المدافع عنه و عن ممتلكاته كلها دون استثناء ، فإن مسؤولية الحماية تقع على الجميع .

مازالت “روح آني شعليه” و التهرب من مسؤولية المواطنة الحقة يدفع بالفاسدين و السراق للحركة بحرية و الاستمرار بسرقة البلد دون رادع و من ثم تخريبه ، و كذلك سيستمر العنف مهاجماً البلد نفسه و تهديمها ، وكلاهما نتيجة اضطراب الجهاز المناعي للبلد الذي يقع في خطأ و يهاجم البلد نفسه بدلا من حمايته.

هناك الكثير من الاسئلة المتوقعه والتي تخطر على بال كثير من الناس وهي: هل الديمقراطية قوة دافعة للمواطنة الحقة وكم سنحتاج من الوقت للتخلص من سلوك النأي بالنفس و المساهمة الفاعلة في كشف الخلل و عدم التخوف من أي كان ، و التبليغ عن الخطأ و عدم اعتبار ذلك نوعاً من ” التجسس ” أو التدخل بما لا يعنيك او ما يطلق عليه ب ” يحشر خشمه بكل شي” على أن يتمرن الجميع على ثقافة المواطنة الصالحة هذا من جانب ، و من جانب آخر هل الديمقراطية تدفع المواطن لإلغاء الآخر و ممارسة العنف بحق المواطنة بشكل عام .

حماية العراق يحتاج إلى جهاز مناعي صحيح يدافع عن جسم العراق ، و العنف و عدم الشعور بالمسؤولية ذئباً شرساً احمراً يفترس كل الجسم العراقي و بمرور الوقت سيأكل البلد “و ما يخلي بي شي” ، علينا توقيف كل من لا يحمي العراق الجديد و ممارسة دور المواطن العراقي الصالح ، قالها لي صديقي و تعلمت منها بعد ذلك: At least you have to act as an American ، و ان اردنا ترجمتها الى العراقية سأقول: على الأقل عليك أن تمثل و كأنك عراقي .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان