ثقافة شعبية

مقاهي كركوك القديمة وتراثنا الشعبي

آيدن كركوكلي

 

كان مقهى (جفت قهوة) يعتبر من أشهر المقاهي في كركوك وكان أكثر رواده من المثقفين ورجال الاعمال والكسبة حيث كان مكاناً للراحة ومناقشة الامور السياسية والاجتماعية والدينية التي تحدث في المدينة .

 

أما في الليل فيرتاده الذين يعملون في أعمال البناء والانشاءات لمراجعة حساباتهم اليومية ووضع المواعيد بينهم للانطلاق غداً صباحاً الى أماكن عملهم سوية .
وكان في معظم أحياء ضواحي مدينة كركوك مثل هكذا مقاهي تقرأ فيه حكايات قديمة مسلية(رستم زال) و(بطال غازي) و(تبردار) واشعار (فضولي) وقصة يوسف زليخا و(آرزى قمبر) و (أمير ارسلان) و(علي بابا والاربعين حرامي) ومن الالعاب المسلية التي تدخل في مفردات هذه المقاهي لعبة الشطرنج والدومينو والطاولي وغيرها، أما في ليالي شهر رمضان المبارك تشهد هذه المقاهي لعبة الصينية المشهورة باسم (صيني ظرف) في معظم أنحاء العراق وتجري اللعبة بين مجموعتين اضافة الى المشجعين ويتخلل اللعبة الغناء والقاء الشعر والمقابلة بين المطربين الموجودين بالقوريات وعلى سبيل المثال تبدأ المقابلة بإلقاء احد المطربين أوالحاضرين بقوريات ويجاوبه مطرب آخر بالقوريات أيضاً وعلى نفس السياق والمعنى ويتكرر المشهد من قبل الجانبين ثم يغني الطرفان الاغاني الشعبية الفلكلورية الجميلة وهكذا يقضون الناس أجمل الاوقات في ليالي رمضان المبارك وتقام مسابقات بين المقاهي الموجودة في أحياء كركوك اضافة الى اجراء مسابقات بين المدن والقصبات حيث يذهب المتسابقون مع مشجعيهم الى مناطق مثل أربيل وداقوق وطوزخورماتو وتبدأ لعبة الصينية عادة بعد صلاة التراويح وتستمر حتى السحور .
أما لعبة الصينية فتحتاج الى المهارة والتركيز والقابلية والذكاء وهدوء الاعصاب لايجاد الخرزة من تحت الفناجين المصنوعة من النحاس الاصفر أو من الحديد وبشكل جميل .
وفي بعض المقاهي تشترك فرقة موسيقية التي يكون الطبل والمزمار من أهم الالات الموسيقية فيها وهذا دليل على أصالة هذه اللعبة المختصة بالشعب التركماني وجزء من تراثهم الشعبي .
وفي هذه المناسبة توزع في المقاهي أنواع الحلاوة والتمر والمكسرات والفواكه ولا تخلوا عادةً جدران المقاهي عن صور كبيرة (لصمانجى قيزى) أو مجموعة صور عن اللاعبين لكرة القدم المشهورين وكانت هذه المقاهي بمثابة مقر لفرقة كرة القدم العائدة للمحلة وتوضع جوائزهم من الكؤوس فوق الرفوف الموجودة في المقهى وكذلك تجري مناقشات جادة حول نشاطات الفريقين مثل فنرباقجة وبكشكتاش واطلقت أسماء هذه الفرق على العديد من الفرق الموجودة في مناطق توركمن إيلي حتى سميت أحد المقاهي في القورية باسم مقهى بشكتاش وفي المقاهي خصصت أماكن للاعبين لتبديل ملابسهم حيث ينطلقون من المقهى الى الساحات وهم جاهزون ومستعدون أتم الاستعداد وبهذه الطريقة يتم تواجد اللاعبين في المقهى قبل اجراء المباراة .
ومن أهم ميزات هذه المقاهي هي تواجد مختار المحلة في المقهى يومياً حيث يقوم المختار بواجباته اليومية تجاه أبناء محلته ويقوم بانجاز معاملاتهم بضرب الختم على أوراقهم وتمشية معاملات الزواج والاشتراك معهم في أفراحهم وأحزانهم اضافة الى ذلك يتواجد المختارون في المقاهي القريبة لدائرة المحاكم والاحوال المدينة .
وكان أصحاب هذه المقاهي أكثرهم من التركمان ويمتازون بالسخاء وحسن الصداقة والضيافة والوفاء .
وكان أصحاب أكثر المقاهي في كركوك من ذوي العضلات المفتولة والشخصيات المعروفة في مواقع البطولة والشجاعة وعادة ماكانوا يتباهون بقهرهم خصومهم من فرسان ساحة البطولة الجسدية وكم من المساجلات والمشاجرات التي وقعت بينهم من أجل اختيار قوتهم وصلابتهم وبجانب هذه المواقف الجريئة والنادرة والقساوة في التحديات كانت لهم مواقف انسانية تنضح وفاء وسخاء ورقة وانسانية مع أهالي مدينتهم وخصوصاً مع زبائنهم ومع أصدقائهم من البعيد والقريب .
وفي الستينيات من القرن الماضي اشتهرت بعض من هذه المقاهي بمثابة وكر للمناضلين التركمان حيث يعقدون اجتماعاتهم السرية بعيداً عن انظار رجال الامن ومن هذه المقاهي مقهى بيات في شارع الاطلس ومقهى زهير في شاطرلو ومقهى مصلى في محلة المصلى. وعندما أحست الحكومة بما يجري في هذه المقاهي أمرت بإغلاق قسم منها وايداع بعض من أصحابها في السجون .
وفي مجزرة 14 تموز 1959 قامت ثلة من المخططين باقتحام مقهى 14 تموز في شارع الاطلس بكركوك فأردوا الشهيد عثمان خضر صاحب المقهى الذي كان مشغولاً بتقديم الماء والمرطبات للمشاركين في المسيرة دون أن يعلم ما تخفى له الاقدار ويعتبر هذا الرجل أول شهيد سقط في مجزرة كركوك ونهب قسم كبير من المقاهي الخاصة بالتركمان وكذلك استشهد في الحادثة صاحب المقهى(صولو جايخانه) شاكر شكر وصاحب مقهى شاطرلو زهير جايجى .
ولا ننسى المقاهي الموجودة في الطابق العلوي من الخانات في كركوك (جقور خان وكمرك خان) حيث كان أكثر النزلاء ممن يجلبون البضائع من أطراف المدينة ويبيتون في هذه الخانات وقد استفاد المؤرخون الغربيون والمستشرقون من المعلومات التي قدم هؤلاء الناس البسطاء في معيشتهم والملأى بمفردات تراثهم الشعبي واتخذت أقوالهم وما أدلوا بها مكاناً متميزاً في بحوث أولئك المؤرخين مثل ميجرسون وأوليفية ومن المشروبات التي تقدم في المقاهي جاي قهوة واللبن والآلات التي تزدان بها رفوف المقاهي آنذاك وتعتبر من الادوات المسلية للزبائن هي : المذياع، كرامافون، مسجل، النركيلة وكان من بين عناصر زبائن المقهى مربي الطيور من الحمام الزاجل وكركوك علماً بأن صاحب المقهى على الاغلب يمارس هذه الهواية ويخصص زاوية من مقهاه لاقفاص الطيور التي تعتبر جزءاً مهماً من محتويات المحل.
ومن العادات والتقاليد القديمة كان أصحاب المقاهي يمنعون الشباب الذين لم يتجاوز أعمارهم الثامنة عشرة سنة بالجلوس في المقهى خشية أن يتعلمون التدخين وأمورا أخرى .

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان