نعيم عبد مهلهل
( الجزء الأول )
ولكن إذا ما استأنس رجل ما بحزنه،
فَلْيؤتَ به إلى ضوء النهار! والرأي عندي
أن يُقْتَلَ، وإِلاّ فستقوم فتنةَ
سان جون بيرس ( آناباز )
البعض ممن لايفقه معنى أن ينزفَ أحدهم من روحه ..وتراهم يتأبطون رؤاهم بكبرياء قيصر دون خوذة وسيف وكيلوباترا ، يطلقون الحكم المسبق بدافع ما يتأبطونه مما تجود عليهم صحف الصباح وبعضٍ من احلام اليقظة ، وكتابٍ عابر قرأوه واستقروا عند فهرسته ، عباقرة او نقاد او كتبة اعمدة يومية عن البطاطا ومتشردي محطات المترو والحكومات الزائفة التي تعيش فينا . هؤلاء لايفقهون أصلا أن هناك رواة وشعراء ينبغي أن نتركهم كأباطرة وملوكٍ جرمانيين.
هذا تفكير الروائي الفرنسي آلن روب غريه أصنعه أنا في متخيل مشاكس تماما لما يفكر فيه غروب غريه في رده على سؤال صحفي وهو يحدد قيمة أن نترك أولئكَ الذين يدفعهم حرصهم وصمتهم وموهبتهم ليكتبوا رواية ، وأنا هنا أترك كل هواجس الكتابة الروائية ومذاهبها وأتجه الى الرواية ( الشعرية ) معتقدا ومؤمنا أنها وحدها القادرة أن تفهم العالم بمستوى الوعي السقراطي الذي ينبغي أن نحصل عليه ومن خلاله يمكن تفسير العالم بالنظرة المثالية التي حملتها الحكايات السماوية ومراثي صلب القديسين والانبياء وتلك المآثر الحقيقية والحزينة التي كتبها العشاق والفقراء واصحاب الموهبة.
لااعرف سوى أن أكتب رواية شعرية ، هذا قدر تفكيري وصنعة نبض قلبي ، معتقدٌ وبحرص كموروثٍ من جيب ابي المخروم ودمعته : أن التعامل مع الأشياء عن طريق موسيقى الكلمات وجدواها يؤدي بالغرض المثالي لتكون أنتَ وحدكَ من ينظر الى منجزكَ في مرآة الشعور بالفخر .
أما الذين يقرأونك فلهم الورد دائما دون الحاجة للحديث عن راقصات حفل في ناطحة سحاب او اللائي يقشرن البطاطا في المطاعم الآسيوية أو سباق المنابر الساذجة لنيلِ موافقة الشعب ( الأثيني ) لتنصيبه سيناتورا مدى الحياة.
ذلك الشِعرْ الذي ينمو في الحكاية ويجعلها بلمعان تزاوج المحار على وسائدِ الرمل بمقدورهِ أن ينجزَ شيئاً للتراثِ الروائي العالمي ، وربما يستطيع أن يستوعبَ كل التراث الشعري المحكي قصائد وأساطير منذ خليقة الحرف والى اليوم ، وبحياء وصمت سينسحب الشعراء الى زاوية المتحف وليتركوا الروائي ( الشاعر ) ليؤسس القدر الجديد للأدب ، الأدب الذي اشعر أن متعته توازي تماما متعة الأصغاء الى موسيقى حالمةٍ لحظة الارتماء في حضنِ امرأة شهية. قد ينزعج الشاعر من فكرة الغاء موهبته واحساسه ، ووربما سيلجأ الى مجده الغابر في أحقيته ليقول أنه المنشد الأول في هذه الحياة ووحدهم الشعراء من جعلوا الحناجر تطلق اغانيها والقيثارات تعزف الحانها ، وعلينا أن نعترف أن هذا الحق الازلي يرتهن بالشعراء وحدهم لكن التفكير الذي صنع الثبات الحضاري وطور التفكير في ذاكرة البشر وجعلهم يكتشفون قبل أيام أن حشرات طائرة آتية من كواكب بعيدة تعيش اليوم في الغلاف الجوي للارض هو نتاج النص المبتكر بطريقة السرد والوصف والموعظة الدينية والمقال العلمي والبحث النفساني وحتما وراء كل هذه النصوص التي صنعت هكذا ظواهر وعصور حضارية هناك حكايات واحداث تعتمد في أغلبها على الشعور الذي يتحول الى فعل بفضل مايروى عنه.كما في الكتب السماوية واساطير الشعوب وتواريخ الملوك والامم والاكتشافات العلمية.





