كتاب الحقيقة

الرواية (الشعرية).. من يكتبها..؟

الجزء الثاني

 

لاأعرف لماذا سكنني الهوس بشعرية ( الحَكيّْ ) وقدرته على انتاج الهاجس الجميل الممتلئ بالمشاعر الانسانية والروحية والعولمية ، حتى انني اشعر أن النص الذي يفتنني في قصيدة شعر مثلا يقودني الى تخيل العالم المنظور في رواية شيء ما يسكن قلب الشاعر ليرويه بأيقاعه ليتحول الموزون لديه الى حكاية العالم الذي يراه بطريقة المغشي عليه ولكنه هنا كرواية يؤسس لحدث الحكاية وليس لقصيدة يُطرب فيها سامعيه. وعليَّ الآن جعل قصيدة (آناباز) لسان جون بيرس انموذجا لشعرية الروي في قلب احدهم ، ودائما يطلق على آناباز ملحمة وليس قصيدة لانها واحدة من روايات الحكاية الانسانية في موقفها الصعب والحرج ولكن هذه الرواية كتبت بشعرية فائقة التصوير والدهشة والبلاغة والغموض والحكمة.

كتب بيرس قصيدته تحت تأثير القصة الاغريقية المؤسطرة في الرؤية البطولية والحكيمة للقائد الأغريقي ( الأكزينون ) في حملته العسكرية المسماة ( حملة العشرة آلاف جندي ) وراح يسرد الحكاية بالشكل السمفوني العالي المفردة والايقاع جامعا قدرة الوصف والحديث عن المشاعر والمصائر بصيغة الانشاد المروي ، وكأنه يجر في حكايته وقائع ما فاتنا ليحذرنا مما سيكون، انه كما عند ديستوفسكي الروح الشعرية القلقة مما تعيشه وتراه وتحسه وتقوده ليكون مجرما او تائها او مرتعشا مما فيه من انطواء وطموح وشهوة .

هذه الرواية ( الشاعرة ) التي كتبها بيرس تمثل في معناها واحدة من خيال الوصف المقتدر للتبشير برؤية جديدة لهذا العالم ، وكأنه هنا يريد أن يجعل هذا الروي مفتاحا للتبشير بالمتغيرات التي ستبشر بفتوحات جنونية بدأت مع الحرب الكونية الاولى وانتهت بانهيار ابراج منهاتن والربيع الجديد للاوسط الشرقي الذي كان من بعض روايات بيرس الشعرية يمثل الوقوف عند اسوار صور وبابل ومجاملة الاسكندر في تفكيره بالذهاب مع حكايات ذاكرته الاستعمارية الى أبعد من زمجرته للكاتب الذي يرافقه في فتوحاته :اكتب ما أحققه في انتصاراتي شعرا على شكل حكاية ليفهمها الجميع.

وربما هذا المقطع من آناباز يرينا حجم المروي الشعري في نبض وحبر قلم شاعر كبير مثل سان جون بيرس :

((شعوبكم المبادة تنبثق من العدم، ومليكاتكم الطعينات يتحوّلن إلى يمامات في العاصفة، في اقليم الصواب عاش آخر فرسان القرون الوسطى، ورجال العنف ينتعلون المهاميز لأجل العلم. وبكتابات التاريخ الهجائية تلتحق نحلة الصّحراء، وعزلات الشرق تمتلئ بالخرافات. والموت ذو القناع الإسبيداجي يغسل يديه في ينابيعنا.)

أنه هنا يختصر الشعر كله في رواية التأريخ لكل احداثه والرؤى التي شكلت منذ ابدية آدم وحتى حوارات التعايش الحضاري بين الفاتيكان والازهر ، صورة المعاش قديما وحاضرا ومستقبلا.

أميل للرواية ( الشعرية ) وأفكر بكاتبتها والابقاء على احساسي ضمن ما تفكر فيه حواسي مع كل تفكير جديد بصفحة اخرى في مشروع كتابة عن جمع ( الآلهة والجواميس في زنزانة في مديرية امن مدينة الناصرية ) ، أحتفي بالموسيقى النثرية التي تسكن ذكرياتي وانا اتلبس شخصية البطل والبطلة واتخيل المرئي في تفكيرهما وحكايتها في سيناريو لن يكون مكتوبا دون موسيقى خيال رومانسي وجميل حتى مع ايقاع صفعات المحققين أو خراطيم المياه وهراوات الشرطة ما دمت انا اشتغل المحكي في رواياتي على هاجس شريط الذكريات واستعادة ما حدث لأخت بطل رواياتي بعد غياب بعيد له في مهجره.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان