كتاب الحقيقة

البشير والترابي.. وثورة شعب!!

عبدالدين سلامة

يرى الكثير من المراقبين أن الاحتجاجات الحالية في السودان رغم تأرجحها بين النشاط والفتور يوما بعد يوم، أنها تختلف تماما عن الاحتجاجات السابقة التي جابهها حزب المؤتمر الوطني الذي تربّع على عرش البلاد في يونيو 1989 مشكّلا أطول فترة حكم عرفتها الجمهورية السودانية منذ استقلالها في عام 1956. انقلب العسكر على السلطة مدفوعين بمخططين إسلاميين بقيادة د. حسن الترابي الذي نجا من محاكمات انتفاضة 1985 التي أطاحت بالرئيس الراحل جعفر نميري منهية 19 عاما من الحكم المايوي المتأرجح بين معاداة اليمين وخطب ود اليسار والعكس. كان الترابي يشغل منصب مستشار الرئيس. كان المحرك من وراء الانقلاب رغم أنه تسبب في إقرار ما يُعرف بقوانين سبتمبر التي تخلّص عبرها من غريمه الأقوى الراحل محمود محمد طه، قائد ما يسمى بالفكر الجمهوري، والذي كان ينافس جبهة الترابي التي شكّلها بعد خروجه من السجن من مجموعة حركات يمينية تحت مسمى الجبهة القومية الاسلامية، ورغم سلمية الحركة الجمهورية إلا أنها كانت قوية التأثير على حركة الاخوان المتأسلمين التي يقودها الترابي، لأنها كانت تلعب معها في منطقة جماهيرية واحدة هي منطقة استقطاب الشباب خاصة شباب الثانويات والجامعات. وبدأ الحكم العسكري الاخواني بسياسة القبضة الحديدية واستخدام العنف وتحدّي الجميع، فقام بإلغاء تراخيص الأحزاب، وعطّل عمل القوى السياسية، وبدأ في أخونة الوظائف العامة تحت مسمى قانون الصالح العام الذي استبدل فيه الكثير من العاملين خاصة في الوظاف المفصلية الكبيرة والصغيرة والمتوسطة، بمن يدينون له بالولاء، وفرض حالة الطوارئ، وقام بإعدام أكثر من عشرين ضابطا مع مطلع أول رمضان قابله وهو لم يضع رجليه تماما على الحكم رغم مناشدات الدول الشقيقة والصديقة، وبدأ في إدارة الدولة بشكل إقطاعي أقصى معه كل من يخالفه الرأي. ورغم أن الاختلاف بين الترابي، عراب الاخوان، الذي كوّن المؤتمر الشعبي، مع بقية المنشقين عنه الذين كونوا المؤتمر الوطني جاء بسبب عقد الترابي معاهدة مع الراحل قرنق، إلا أن الحكومة نفسها قامت بذات الفعل الذي عاقبته به وعقدت معه اتفاقية نيفاشا التي تسببت في فصل الجنوب وبداية الانهيار العام للاقتصاد السوداني، ما اضطر الحكومة لاتباع سياسة التقشّف الاقتصادي في مواجهة شعب عجز حتى عن إمكانية الحصول على السلع الأساسية وهي مدعومة، فقامت الانتفاضة الحالية، والتي استهتر بها الحزب الحاكم في البداية، ثم استشعر خطرها فاستخدم ذلك العنف المفرط وأسقط كل هذا الكم من الضحايا، فهل تثير رائحة الدم ثور ثورة الشعب، أم أنها ستخيفه وتجعله يعود إلى مكامنه خاضعا يفكّر في كيفية الحصول على سلع أساسية رُفع عنها الدعم؟

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان