ثقافة شعبية

أصوات الجنوبية

احمد الشيخ ماجد

 

كل حالة اجتماعية متجذرة في النفوس، ومترسخة في الاذهان والافعال. لابد ان يكون ثمة شيء معبراً عنها. والاشياء المعبرة كثيرة جداً, وتتحول حسب استخدام الانسان ومايحب, ربما تجد شعرا او أدبا او اغاني او كلمات بسيطة تصدر من المجتمع وما شاكل ذلك من الطرق التعبيرية التي تنم عن صراخ في الذات, وتعبير عما يختلج في النفس . لايخفى على كل عراقي متطلع الى المجتمع ويعرف اغواره, ان هناك حزنا عميقا في جميع انحاء العراق، لكنه يختلف من منطقة الى اخرى وتجد صداه الاقوى والاوضح في المناطق الجنوبية حيث تنعكس ملامحه من خلال التقاليد, والملابس, والاغاني. وهناك عوامل عدة شاركت في ارساء هذا الحزن وتثبيته في النفوس, منها العامل التأريخي, فهناك مصادر تقول ان ظاهرة الحزن ذات جذور سومرية جاءت من خلال التراتيل الدينية التي كانت تقام ضمن طقوس المعابد حيث كانت تخاطب الآلهة بالخضوع والحزن طلباً للمغفرة والرحمة، وايضاً هناك عوامل اخرى منها التأثير الديني من خلال مصائب اهل البيت(ع) وكذلك تأثير الاقطاع, والارض التي يسكنون, وهناك عوامل عدة ليس هنا محل ذكرها . وتجد نبرة الحزن جلية في الاصوات الغنائية المنحدرة من الجنوب, حيث دائما يتغلب العويل والصراخ والكلمات التي تشي بكبر المصائب وشدتها, فأنت تسمع كل الغناء العراقي لا تسمع الا مطربيّ الجنوب يقولون: ” آه يويلي, و ياضيم كَلبي” وهكذا من الكلمات التي غالباً مايصرخ بها المطرب اثناء انتهائه من الابوذية او الموال . تبدأ من سيّد محمد الذي بقي طوال عمره يبحث عن نساء تبكي له مع والدته لشدة المصاب الواقع عليه, حيث كان يغني ونبرة الوجع تصدح من صوته الشجي: ( گلي شوكت ساعتي ويومي، وچفي للهوى يأشر ويومي، ردت نسوان تبچيلي وي امي، على هذا المصاب الصار بيّه). والغريب ان صوتاً يظهر من بين الجالسين الذين كانوا يستمعون الى سيّد محمد ويصرخ صرخة افصحت عن مدى نكبته التي يمر بها, فسرعان ما اكمل المطرب ابوذيته شرع يصرخ بلهجة جنوبية: “يابـويه، يايـابه يابويـه..” وبدأ بالنواح، وهذا ما يؤكد عمق الحزن في هذه الارض العراقية… اصوات كثيرة خرجت من هذه البقعة لاتجد فيها من يغني بفرح وابتهاج إلا على سبيل الندرة، داخل حسن، ناصر حكيم، عبادي، سلمان المنكوب ولقب الاخير اشهر من أن يشرح, فإنه اسم على مسمى, واكثر الاغاني التي خرجت منه تجده يفصح بها عن نكبته, واسماء كثيرة جداً لاتنتهي, تسمع ونين داخل حسن ثم تنتقل الى انين المنكوب, الى النبرة الهادئة بالحزن لسيّد فالح, ثم تأخذ بك السنين الى “موالات” كريم منصور. وهذا الاخير مَثل الألم المكنون في داخل الارواح الجنوبية المعذبة التي حتى الفرح اذا مر بها لا يكون إلا بالحزن والبكاء! كريم منصور ذلك الصوت الصارخ حد الوجع, وهو الذي ظل يبحث عن الفرح في الذكريات ولم يجدها : “گمت ادّور عالفرح بالذكريات، واحلم أو اصحى على الماضي اللي فات”. انه الصوت الذي تحدث عن شدة المصائب التي وقعت في محيطه, حيث يتكلم في احدى اغانيه عن حقبة تأريخية من اشد الحقب التي مرّت بالعراق في فترة الحكم الصدامي, وهي فترة الثمانينيات فكان يغني, او بالاحرى ينوح عن اخيه محمد الذي قتل اثر الحروب الرعناء التي كان يقودها صدام, وحطبها هم الفقراء من المناطق المنكوبة, واكثرها الجنوب: “لكَيناها مكَابر, والحدرها جنود يمحمد”. وهذا نقل حقيقي لتلك الفترة التي كانت الجثث فيها تأتي بشكل يومي, وهذا مارسّخ الحزن في هذه الاصوات. تجد ابا حاتم يعاتب اخيه بصرخة آتية من الحنان الاخوي, وكذلك انه سئم من هذه الحياة التي اخذت اخيه من بين يديه وانه يتمنى الموت اثر هذا :” ظعن ولفي سرى وگوطر وانا حاي، بعيد او لو سمع ونّي وانا حاي، مدام الوكت دافني وانا حاي، اخافن ليش بعد من المنية!” والغريب ان اكثر الجنوبيين هكذا يتمنون الموت في اشعارهم, لذلك ترى كريم يطلب الموت هنا, ويقول لا ضير فيه مادام الوقت قد دفنه وهو حي, نعم انه الموت المعنوي حينما يجد نفسه مهمش من كل شيء إلا من الموت فهو رفيقه ياخذ بإحبابه واحد تلو الآخر!. هذه الاصوات الحزينة التي انحدرت من هذه الطبقة تكاد تكون تمثيل حقيقي لكل ابناء الجنوب, كيف لا وهم يخافون حتى من الضحك! فعندما يضحك احدهم يقول: “اللهم اجعلها ضحكة خير”. فأذا كان الغناء يبعث على الابتهاج والسرور في النفس, والارتقاء بالمشاعر الانسانية, فأن الغناء الجنوبي يبعث على النواح والثغيب!.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان