نعيم عبد مهلهل
ــ الجزء الأخير ــ
اشعر أن المنفى المروي بدون شعرية يبدو باهتاً وغير مكتمل التفاصيل وأن الواقعية لم تعد تعطي ما يبتغيه العولمي في الحصول على جمال مبتكر يتفوق على منافسة الفضائيات ومقاطع اليوتيوب والموضة المنفلتة في كل شيء بدءاً من مبتكرات الايفون وانتهاء بمهزلة سرقة مشاعرنا في فوضى البرنامج السياسية. لهذا كنت دائما في لحظة المكان المنفي ساعة تداهمني هواجس الرواية وهي ترتدي معطفها الشعري بجمال لحظات الذكريات واعادة ما كان على شكل مروية عن زمن الاب والام والصديق والعدو والغريب العابر والمكان الذي تركنا فيه طفولتنا تنام غافية في احضان دمى الطين والشوارع الذي لم تعرف اقدام حفاتها سوى تخيل الآلهة المرحة في سماء الخبز.
وسط هذا المنفى الشعري ومروياته كنت دائما أحمل عبارة ناظم حكمت وقائلة : والمنفى ياحبيتي مهنة شاقة. وسط هذه المحنة والمهنة تأتي اساطير المحكي (الشعري) لتخلصنا من الضجر الذي كان أول دافع للملوك ليموتوا مبكرين ومن الضجر كما يصفه جاك بريفير ، وهو ايضا يحكي في نصه الهائل هذا رواية البشر في تعاقب وجودهم وتصنيفاتهم ووطبقاتهم عندما يضع نهاية الانسان الى عدم واحد تختلف طرائقه في قوله ( جاك بريفير ) :
(( الكل يموت ..الملك والحمار وأنا ..الملك من السأم ، والحمار من الجوع ، وأنا من الحب …!))
لهذا أجعل وعلى هدي من بريفير الرائع روايتي تتفوق على أي مشاعر اخرى ليكون الحب ( لُبها وقصيدتها ) وبذلك يرتفع في وجداني الهاجس السقراطي وأستطيع أن اقف امام المرآة بغرور أني استطيع أن انتج مادة جيدة ، امضي بها لصناعة المرح والفائدة في افئدة آخرين اتألم تماما حين اراهم يصيرون ابناء بررة لابائهم الطغاة واللصوص أو اولئك الذين يقتنعون ببؤس من خَلَفَهُم ليكونوا مثلهم قانعين بقدر أن يظلوا عمال طين أو وقودا للسيارات المفخخة.
أن قدرية التاريخ هي المتغير ابدا ، ولن يوقف هذا المتغير أي صاروخ بالستيكي ولا حاملة طائرات أو فتوى ارهابي ملتحٍ..أو قس متعنت ، أنما الحركة بوجودها وارثها ومنتجها مرتهنة بالأنسان الذي يقترب من وجدان الحلم وتخيل ما كان موجودا ليؤسس عليه ما يريد أن يُوجده.
وعلينا أن نختصر حركة التاريخ وطموحنا في هذه الرؤية ونمضي معها بعيدا في صناعة منتج يجعل حضارتنا اكثر ثمرا ومبررا وحقيقة لتُعاش كما كان يتمنى أجدادنا أن تُعاش في تفكيرهم :
ابحث عن الفردوس الذي في الارض قبل أن تبحث عن الفردوس الذي في السماء.
وحتما الفردوس الارضي لن نجده دون أن تكون هناك مشاعر محفزة وتفكير جميل على مستوى الثقافة والعلم ومجمل ظواهر الابداع من الموسيقى الى التبشير بالحب عن طريق قناني العطر.
الرواية ( الشعرية ) من يكتبها ، هنا العودة الى بدء المقال ، وفي قناعتي أنَ من يكتبها ، الذي يستطيع ان يتفوق على صفاء المرايا في اول نظرة لها ، وعندما لايستطيع لن يستطيع أبدا كتابتها حتى لو وضعوا بين اصابعه الف كمان والف قاموس والف وردة……….!
بروكسل 22 ايلول 2013





