الحقيقة / متابعة
لا تختلف الحكاية الشعبية العراقية عن غيرها من حكايات الشعوب في موضوعاتها والمادة الدرامية التي بنيت على اساسها ذلك انها تصدر من منبع ارض خصبة حضارياً وتستند في طبقاتها التاريخية الاثنوغرافية الى تراث السومريين والبابليين والاكديين والكلدانيين والعرب المسلمين، وتتأثر وتؤثر على غيرها من حكايات المنطقة، باعتبار ان العراق يحادد من الشرق ومن الشمال بلدين شرقيين يرتبط بهما بروابط الدين والجيرة.
واذا كانت قصص الحيوان قد ظهرت في كل شعب باعتبار ما يتركه الحيوان لدى الشعوب الاولى من تساؤلات دائمة حول تصرفاته وسلوكه الغريزي فان حكايات الحيوان التي وردت على لسان (ايسوب) منقولة بقلم الكاتب الروماني فيدراس الذي عاش في القرن الاول الميلادي نجد اثراً سومرياً لها واضح الدلالات ، اضافة لحكايات ذات اثر بابلي من ذلك حكاية البعوضة والفيل البابلية التي يرويها العلامة طه باقر في كتابه (مقدمة في تاريخ العراق القديم) اذ تقول الحكاية.
وقفت مرة بعوضة فوق ظهر فيل وهو يمشي فقالت له: هل اثقلت عليك يا اخي؟، فان كنت فعلت ذلك فاني سانزل عند بلوغنا الجدول فاجابها الفيل: من انت؟ لم احس انك كنت فوق ظهري ولن اعرف عندما تنزلين” وقد ظهرت هذه الحكاية في مجموعة توماس جيمس عام 1848 بعنوان (الذبابة والثور) منقولة على لسان ايسوب وهي وحكاية الثعلب والعوسجة التي نشرها الثعالبي صاحب (التمثيل والمحاضرة) وظهرت في مجموعة غاكستون المنشورة عام 1484 عن ايسوب وظهرت كذلك في مجموع خزافات الالماني لسينك وغير ذلك كثير.
واذا كان جبرا ابراهيم جبرا في ترجمته لحكايات لافونيتن قد اثبت عراقية ايسوب، وان الملك البابلي قد استضافه في زمنه بل ونصب له تمثالاً على نهر الفرات احتفاء به فان ذلك لا يدفعنا للجزم بذلك بقدر ما يثير نصوص حكاياته البابلية والسومرية الاصول تساؤلات عن ريادة فن الحكي الشعبي العراقي قبل سواه تاريخيا.
وينقل د. احسان عباس مجموعة من الحكايات الشعبية العربية التي تأثرت بالادب اليوناني في كتابه (ملامح يونانية في الادب العربي) وهو امر متعاكس مع اطروحتنا الاولى في سبق الحضارة البابلية وقبلها السومرية عن غيرها كما يبدو لاول وهلة ولكنه امر مشروع تماماً اذا اخذنا بنظرية (هجرة الحكايات) كما ان ذلك يستلزم مجالات لتحقيق اوسع في جدية هذه النسبة.
ان المتأمل في موضوع الحكاية الشعبية العراقية يجد امامه نوعاً من الخصب والتنوع فهناك حكايات عربية بدوية وهناك حكايات مدينية اضافة لحكايات السمل والجبل الصحراء وهناك حكايات شعبية كردية وتركمانية وصابئية وسريانية رغم النبع الواحد للوطن العراقي وذلك يضفي على الحكاية الشعبية حيوية التنوع لتنوع مصادر الثقافة الشعبية داخل البيئة وقد شحن ذلك الحكاية الشعبية بثراء معتقدي ودلالي واسع.
الإبداع في (الأرنب والسلحفاة):
(الأرنب والسلحفاة) هذا النص البابلي، استطاع أن يصمد أمام الزمن، لقد تأثر به أيسوب في خرافاته، وتأثر به لافونتين أيضاً، ثم يأتي قاصان ماهران، ليبعثا به الروح أو بالأحرى ليمسكا بالحبل السري للنص. لكن أين الإبداع؟
ـ في النصوص كلها إبداع ـ
إبداع في المحافظة على جوهر الحكاية، والمحافظة على حيويتها؛ وقوة الأصالة، والديمومة المتوفرة مضافا إليها سحرا جديدا يضيفه المبدع نفسه من أحداث، وخيال، ولمسات، والألوان، ورهافة وشاعرية.
نص (الأرنب والسلحفاة) يمتلك قوة الاستمرار كنمط حكائي.
وعندما تحول إلى قصة أطفال وهو نمط حديث له استقلاله الفني عن الحكاية أُضيف إلى النص، إبداع يتمثل برؤية المبدع إلى وظيفة النص القصصي للأطفال، وطبيعة القارئ الصغير، واختلاف البناء والوظيفة بين الحكاية الموجهة إلى المتلقي الكبير، وبين قصة الأطفال الموجهة إلى المتلقي الصغير، ويجمع نقاد الأدب على أن ثمة قسمات مشتركة وخصائص بنائية وشكلية مشتركة ومتشابهة بين النمطين.
إن الفكرة، والحادثة، والشخصية والحوار تمثل قسمات مشتركة بين الحكاية وقصة الأطفال، إلاّ أن الكيفية التي يبنى على أساسها النوع الأدبي هو الذي يقرّر نجاح العمل الأدبي، وهويته أيضاً، بكلمة أخرى، فإن عناصر القصة والحكاية تقرران (أسلوباً أدبياً ) يهيء لنا أن نعامل هذه العناصر معاً لتكوين بناء فني متكامل)(5) وما يميز أسلوب قصة الأطفال هو توفر ثلاثة عناصر أساسية هي الوضوح، والقوة، والجمال.
(فوضوح الأسلوب يعني أن يكون في مقدور الأطفال استيعاب الألفاظ والتراكيب وفهم الفكرة. وهذا لا يتيسر ما لم يكن النسيج اللفظي بسيطاً وشفافاً وخالياً من الزخرفات والتنميقات) أما العنصر الثاني، فهو قوة الأسلوب (ويتمثل في إيقاظ حواس الطفل وإثارته وجذبه كي يندمج وينفصل بالقصة عن طريق نقل انفعالات الكاتب في ثنايا عمله القصصي وتكوين الصور الحسية والذهنية) أما العنصر الثالث فهو جمال الأسلوب الذي هو (عنصر جمالي يسري في توافق نغمي وتآلف صوتي واستواء موسيقي) مع العنصرين السابقين) وقد وجدت في نص الأرنب والسلحفاة الذي كتبه الأوربي سرغي بارودين، بترجمة منير عبد الأمير، والثاني الذي كتبه القاص العراقي طلال حسن، توفر العناصر الأساسية من وضوح، وقوة وجمال، مضافاً إليها أسلوبا خاصا مرتبطا بشخصية الكاتب نفسه أستطيع أن أقول؛ إن الكاتب قد خلّص النص الأصلي من (الحكمة) التي غالباً ما تأتي في بداية القصة أو في نهايتها، لتعطي عبرة، أو رأي الكاتب. وهذا مما يضعف من بناء القصة، ويقرّبها من التقريرية أو (الوعظية) أو(الإرشاد).
القاص الحديث في بحثه عن الشاعري، والخيالي، وغير المباشر قد أخفى (الحكمة)، ليجعلها معبراً مخفياً يدركه المتلقي الصغير نفسه. يعني أن المتلقي الصغير يشارك، وينفعل، ويصل إلى فكرة القصة دون أن نعطيه (عكازاً)!









