كتاب الحقيقة

أجاثا كريستي: الآثار والمذكرات

نعيم عبد مهلهل

الجزء الأول

 

لا تـُمَلّ قراءة مذكرات المنقب الآثاري ماكس مالوان التي احتواها كتابه الشيّق «أجاتا كريستي/ الآثار والمذكرات»، لما فيه من ذكريات تجمع بين متعة الأدب والتاريخ، سيما هو زوج الروائية أجاتا كريستي. يتحدث مالوان في كتابه عن عمله في التنقيب عن الآثار العراقية، مطلع القرن الماضي، وأهمها آثار الخابور وشكر بازار والنمرود، واشتغاله مع العالم الآثاري ليوناردو وولي، رئيس بعثة التنقيب، في الكشف عن كنوز مقبرة «أور» المقدسة. وفي المذكرات ما يجعلنا نقف عند رؤى التفكير الاستعماري ومداخلات ما يتحدث عنه مالوان. غير أن أوراق ليوناردو وولي كشفت، رغم عدم شيوع تعميمها، خدعًا مقصودة هاجسها النهب والثراء، وأحيانا هناك هواجس كهنوتية تحاول ربط الوجود الإبراهيمي بهذه الأرض، ومن ثـَمّ، جعل مهمة وولي مهمة كنائسية مقدسة، مثل اعتراف البابا يوم ابتدأ كرستوفر كولمبس مهمته الاستعمارية، الاستكشافية، التبشيرية، فالرجل قد درب نفسه ليمتلك شهادة عالية في علم اللاهوت. وكان للبريطانية مس بيل دور في هذا، وكذلك لجميع المندوبين الساميين البريطانيين الذين كانت في يدهم أزرار ماكنة الحكم في العراق، رغم وجود الملك والحكومة. وهذا الهاجس هو الذي دفع عبد المحسن السعدون ليطلق الرصاص على رأسه وينتحر. غير أن المس بيل تمتلك الريادة في هذا المجال، فبعد أن خبا بريقها السياسي في الإشارة والاستشارة في ما يهم السياسة البريطانية في العراق، طلبت أن تجازى على خدماتها وتصبح قيمة على افتتاح أول متحف عراقي ومديرية آثار، وكانت تتقاسم غنائم اللقى الأثرية التي يكتشفها وولي في تنقيباته بنسبة النصف للنصف، ولكن لم يكن هناك شاهدٌ على هذا التوزيع. أدرج مالوان مذكراته في فصول مبوبة بعناية تامة، وكان الرجل، وقد حمل من سنيّ الترحال بين آثار الشرق، قد حمل تراثا هائلا من الرؤى التي تشغل مخيلة أي دارس، وهو يفتش عن ذلك الزمان بين أطنان لا تحصى من الرمل والتراب، وقد أظهرت المذكرات أن الآثاري الإنكليزي كان مدفوعًا برغبات تندفع مثل سيل؛ على أساس أن المرجعية التي حصل عليها مما تلاه الكتاب المقدس، قد توفر له حقّ الحصول على أساسات التاريخ الأولى، بعد أن كادت تنسى كل الروايات الشفاهية عن هذا التاريخ، وأغلبها روايات متخيلة، لأن أور كشفت رؤى جديدة غير تلك التي كشفها حجر الرشيد المصري. لأن التاريخ ابتدأ من سومر على حد مقولة المؤرخ صاموئيل كريمر، وهو ما أكده، أيضًا، وولي: إن بدايات الحضارة في وادي الرافدين كانت أقدم من الحضارة في مصرــ المذكرات: صفحة 51 ــ وقد تعزّز ذلك حين ظهرت لرجال الآثار كشوفات حضارية هزت العالم في وقتها، وبأن للجامعات والمتاحف الراعية لحملات التنقيب حقيقة ما كان متوقعًا بعد أن كادت توقف تمويل هذه البعثات. والغريب أن الدولة البريطانية كانت في منأى عن الذي يحدث بل تكاد تكون غير مكترثة بالسعي المحموم لفرق التنقيب، وعندما يكون هناك من قناصل هذه الدول راعيًا لهذه العمليات فهذا مرده رغبة هذا القنصل في الحصول على التحف الأثرية. وقد فعلها القنصل الإنكليزي والقنصل الفرنسي أيام كان والي بغداد لا يفقه، بتاتا، بالميثولوجيا، ولا يهمه أبدًا أن يكون هذا تمثال كوديا أو خاتم هارون الرشيد. لكن عدم الاكتراث كان مقصودًا بتوصيات مشفرة من وزارتي الحرب والخارجية، وقد قال أحد لوردات التحف الشرقية في البرلمان البريطاني: «هذا أمر سار جدا. إنه يعوضنا عن فقدان مكاسبنا في شركة الهند الشرقية»

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان