كتاب الحقيقة

هموم طريق الجنوب

كريم السيد

 

في طريق بغداد المؤدي للجنوب، يمكنك ان تكتب رواية كاملة بسيرة جميع الركاب، أو قل ان كل واحد منهم رواية بكامل تفاصيلها، ولك ان تبدأ بالسؤال لتعرف كل قصة على حدةحتى تتأكد أن لا إعتيادي منهم، اذ لا ترفيه بسفرهم ولا بطر.

الشابان اللذان يستقلان مقدمة المركبة المتكونة من (11) راكبا وسائقها، يبدو انهما عائدان من الجامعة، اذ تبدو معالم البشاشة والاعجاب بأنفسهم واضحة، واظنهما يتهامسان كل عن صديقته التي بقيت خلفه تئن لفراقه، رغم شكّي بذلك!.

اما نحن الثلاثة، انا والشاب الذي بجانبي والكهل السبعيني فهمومنا تختلف. كنت أتأمل الرجل الذي كان كل همّه ان يدخن عقب سيكارة بعد ان شغّل السائق تبريد السيارة، قبل ان (يتلاطم) من اسعار البانزين وقلة ما يجني في قبال خطورة الطريق مقارنا نفسه بأي سياسي عراقي يلفط الملايين على حد تعبيره!.

وحين أطفأ التبريد وأنزل الشباك هتف الرجل: ايييه وعلي ابو الحسن هسه الجگارة تسوه تفگة!.

اما الشاب الذي بجانبي فكان يبدو عامل مطعم، عرفت ذلك من خلال مهاتفته لأحدهم قائلا: عفت المطعم وطلعت وهسه اني بالطريق.

الشباب الثلاثة الذين يستقلون المقعد الأخير يبدون جنودا عادوا من وحداتهم العسكرية في الموصل أو الأنبار، عرفت ذلك من خلال لهجة الموت والسلامة والخوف الذي يتحدثون به، هم يقولون ان واجبنا حماية المدن التي من الممكن ان تقتلنا بأية لحظة، طريق عودتهم اشبه بالمغامرة، ووصولهم لبغداد يعني اعطاء رصيد اضافي لحياتهم!. يقول احدهم، ان وجودنا نحن الثلاثة يعتبر انتصارا لنا بعد ان كنا اكثر من (15) شابا لم يسلموا من طريق العودة المميت! وحين قلت لهم: وما الذي يجبركم على كل هذا القلق انتم وأهليكم، قالوا: اليشوف الموت يرضه بالصخونه، العوز خويه العوز!

هذا هو الجنوبي، رحالة فقر دائم في كل الدهور، هو يعتبر نفسه مجرد اداة للآخرين، يشعر انه اضعف الموجودين في العراق، هو مصب كل قذارات السلطة، هو بقرتها الحلوب ورجل المهمات.

عافاكم الله يا أبناء الجنوب، وأدامكم للعراق ذخرا لا ينفد!

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان