ـــ الجزء الأول ــ
ينتقد الكاتب والمترجم العراقي حسين الموزاني الألماني الجنسية عددا من الأدباء الألمان البارزين من وجهة نظره الخاصة متهما إياهم بالعجرفة والفوقية. ويأخذ عليهم عدم الجدية في الحوار مع المثقفين العرب المعاصرين وعدم التضامن معهم بل وبالتمييز ضد من يعيشون في ألمانيا منهم، ويتهمهم في سرده التالي لقناعاته الخاصة وتجاربه الشخصية لموقع قنطرة بالمحاباة والحرص على مصالحهم في قصور السلاطين العرب. من الصعب تعريف مصطلح المثقف والثقافة بعد كلّ التعريفات والمعاني والصفات التي أطلقت عليهما حتّى الآن. ولعلّ من الأفضل أن نختار أحدثها وأطرفها وهو التعريف الذي أسبغه الكاتب الألماني المعروف بسخريته ودفاعه عن إسرائيل هنري م. برودر على مفهوم الثقافة؛ وهو تعريف يفي بالغرض تقريباً. يقول برودر: إنّ الثقافة تتيح للآخر أن يهشّم رأسك، بينما الحضارة تطالب بمعاقبته. وهو تعريف تلموديّ، إن لم نقل بابليّ قديم ورد في شريعة حمورابي بمعنى العين بالعين والسن بالسنّ، قبل أن يجد صياغته النهائية في القرآن.وهذا التعريف لا ينحصر في نطاق ما يسمى بالشعوب البدائية، وهي براء من هذه التسمية، بل ينطبق بالدرجة الأولى على ما يسمى بالشعوب المتحضرة. وفي الحقيقة أنّ الحضارة هي التي تهشّم رأس الآخر دون قصاص، وينطبق هذه بدرجة أساسية على إسرائيل “المتحضرة” نفسها، وعلى ألمانيا أيضاً ومثقفيها بصورة خاصة. وبهذا المعنى فإن تعريف برودر جاء مغرضاً ومحرفاً للمعنى، رغم طرافته.
نشر حسين الموزاني عدداً من القصص والروايات باللغة العربية، وترجم أعمالا من الأدب الألماني إلى العربية من أهمها “الطبل الصفيح” للروائي الشهير غونتر غراس. وكتب روايات باللغة الألمانية منها: “منصور أو عطر الغرب” (2002) و”اعترافات تاجر اللحوم” (2007). وفي عام 2003 حصل الموزاني على “جائزة شاميسو” التشجيعية التي تُمنَح للكتاب الألمان من ذوي الأصول الأجنبية.
ويبدو أنّ الأعمال الوحشية تتناسب تناسباً طردياً مع التقدم الحضاري وخاصةً الجانب العلمي منه. فكلما كان المجتمع متحضراً ازدادت وحشية، لدرجة أن هذا المجتمع لم يعد يدرك هذه الوحشية التي ترتكب باسم حضارته، كما لو أن الحضارة هي مجرد بطاقة مرور لا مرئية لارتكاب المجازر وإبادة الشعوب. ويعلمنا تاريخ الحروب الحديثة التي خاضها الأمريكيون والروس والبريطانيون والألمان والإيطاليون والإسبان بأنّ الجرائم الكبرى كانت ترتكب دائماً باسم التمدن والتحضّر، فضلاً عن الدين.
والثقافة في شكلها العام هي التعبير الشامل عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والجغرافي كذلك لكلّ أمّة ودولة. وهي تعتمد من حيث الجوهر أسلوباً سلمياً في التعامل مع هذا الواقع. وبهذا المعنى فإن الثقافة هي مصطلح حياديّ، ولا تختلف مبدئياً عن الحضارة، بل هي بصورة أدق مرآة صقيلة تكشف طبيعة المجتمع، ولا تعكس أي شيء آخر سواه، وهي بالتالي كالإناء الذي ينضح ما فيه، ليس إلا.ولا تكفي قراءة التاريخ السياسي والاجتماعي، بغض النظر عن مدى عمق هذا التاريخ، للتعرف على شعب أو بلد، بل لا بد من الاطلاع على خصائصه الثقافية، حيث تتضح حقيقة المواقف الروحية والأخلاقية لكلّ شعب وقدراته الفكرية والعقلية. وتبدو السياسة إذا ما قارناها بالخصائص الثقافية للشعب مجرد صفقات تجارية إدارية تعقد كلّ يوم.والثقافة هي في نهاية المطاف النظام الداخلي للشعب وتتماشى مع نوازعه ودواخله خطوة إثر خطوة وتفرض رقابتها الصارمة. فهناك صراع أبديّ بين الثقافة والسلطة أو السياسة بمفهومها الأوسع، وكانت الغلبة دائماً للثقافة على المدى البعيد، على عكس السياسة التي تحقق دوماً انتصارات آنية.
وقد عبر راينر ماريا ريلكه في قصة مبكّرة نشرها عام 1893 بعنوان: “الريشة والسيف” جعل فيها الغلبة للريشة التي يوقع بها عادةً على معاهدات إيقاف النار أو الحرب أو ترسيم الحدود. وفي الأخير تسأل ريشة الكتابة السيفَ وهي تبتسم: ألا تخوض الحرب ثانية أيها السيف؟ بيد أنّ السيف يبقى صامتاً في زاوية معتمة، حتى أن الريشة تعتقد بأنّه لن يجرَّد من غمده أبداً.
لكن إلى أيّ مدى يمكن أن نعتبر تصرف الكاتب تصرفاً فردياً، ومتى يمكن أن نحسبه ضمير الأمّة فعلاً؟ ولماذا يتخذ بعض الكتاب مواقف شديدة التطرف والخطورة في حين يؤثر الآخرون الخنوع والخضوع لسلطة السيف والمال؟ هناك مثل إنكليزي يقول إنّ أسوأ الفساد هو فساد الأفضل، وإذا ما فقد المثقف استقلاليته فإنه سيفقد صفته الإبداعية لا محالة ويتحول إلى مخلوق بائس يتحين الفرص للانتفاع الشخصي شأنه شأن أي انتهازي آخر. وصحيح أن المثقف لا يجب أن يكون بطلاً بالضرورة، لكن عليه أن يتحلّى بقدر من التضامن مع المتضررين والمهمشين وضحايا القمع والاستغلال.









