ثقافية

الحنين إلى الماضي في دالية الذكريات للقاصة السورية ميادة سليمان

حسن الموسوي

تندرج هذه المجموعة ضمن السيرة الذاتية، ودائمًا ما تُكتب قصص السيرة الذاتية بضمير الغائب، ويتولى القاص مهمة سرد الأحداث لأشخاص عاش معهم في البيت، أو شاهدهم في الشارع أو العمل أو المدينة، سواء كانوا من الأحياء أو الأموات.

طبعًا، لكل حالة خصوصيتها، كون التعايش متفاوتًا بين شخصية وأخرى، فالشخصيات التي نعيش معها في البيت نفسه يكون التقارب معها أكبر، فتكون الكتابة عنها أكثر عمقًا، أما الشخصيات في العمل أو الشارع فيكون التقارب معها أقل، وبالتالي تكون الكتابة عنها أقل عمقًا.

وأدب السيرة الذاتية من الأدب الواقعي الذي ينقل أدق تفاصيل الحياة اليومية من دون إضافة أو تزويق.

وأحيانًا تُكتب السيرة الذاتية لتدوين التاريخ والأحداث، ورصد تجارب الآخرين بحلوها ومرها.

أناس مروا في حياتنا كانوا مثل عناقيد العنب، وأناس مثل عناقيد الحَضْرَم، كما وصفتهم الكاتبة، والغاية من ذلك وضع تجارب الآخرين أمام المتلقي لاستخلاص العبر والتعرف عن قرب على تلك التجارب.

ومن الأفضل أن يكتب الكاتب سيرته الذاتية بنفسه، بدلًا من أن يوكل كتابتها إلى غيره.

العنوان هو العتبة النصية الأولى، وهو مكون من كلمتين؛ الكلمة الأولى (دالية)، وهي شجرة العنب، وسميت بالدالية لأن أغصانها وعناقيدها تتدلى وتمتد، وترمز إلى العطاء والحنان. أما الكلمة الثانية (الذكريات)، فهي كل ما يحتفظ به العقل من أحداث ومواقف مرت في السابق، ويقوم الإنسان باستحضارها في زمنه الآني. وهي تؤثر في حياة الإنسان، وتنمي خبراته، وتحدد هويته، وتسهم إسهامًا كبيرًا في تكوين شخصيته. وقد تثير الذكريات في الإنسان الشوق والحنين، فتعرف بالذكريات السعيدة، أو تترك العبرة والأثر، فتسمى الذكريات الحزينة.

إن الذكريات هي العودة إلى الماضي والحنين إليه أيضًا، وكثيرًا ما يحن الإنسان إلى ماضيه، ويطلق على هذه الحالة (النوستالجيا)، وهي الحنين إلى الماضي، وتعرف بأنها حالة شعورية وشوق عميق لاسترجاع ذكريات أو أماكن أو أشخاص من الزمن السابق.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: لماذا يتذكر الإنسان، بين فترة وأخرى، ماضيه؟

يفسر علماء النفس هذه الحالة بأنها وسيلة للتعامل مع الحاضر المليء بضغوط الحياة التي تؤثر في السلوك العام، كما أن الماضي يوفر شعورًا بالأمان، ويجعل الإنسان أكثر ثقة، ويمنحه راحة نفسية هو بأمسّ الحاجة إليها.

وأحيانًا يلجأ الدماغ إلى الماضي هربًا من حدث مؤلم.

والحنين إلى الماضي حالة طبيعية، ولكن ينبغي للإنسان ألّا يفرط في استرجاع الذكريات، لأن ذلك قد يؤدي إلى حالة نفسية تؤثر في سلوكه.

الإهداء من العتبات النصية، وفيه نجد أن الإهداء كان موجهًا إلى عم الكاتبة (مصلح سليمان)، وإلى عمها الآخر (سلمان سليمان).

أما المقدمة، فهي أيضًا من العتبات النصية، وفيها نجد عبارة (إلى القارئ):

(في هذه المجموعة / دالية الذكريات / التي كتبتها على مدى خمس سنوات، ستقرأ عن أشخاص اختارتهم ذاكرتي، هم خمسة وعشرون عنقودًا، معظمهم رائعون، وهؤلاء يتدلون عناقيد عنب يستعذب فم الذاكرة حلاوتها، وبعضهم ظالمون، وهؤلاء يتدلون عناقيد حضرم تأبى يد الحنين قطافها).

في هذه المقدمة توضح القاصة علاقتها بالآخرين، فهي، من وجهة نظرها ومن خلال عشرتها مع من اختارتهم، صنفتهم بين الطيبة، ممثلة بـ(عناقيد عنب يستعذب فم الذاكرة حلاوتها)، وبين الشر، ممثلًا بـ(عناقيد حضرم تأبى يد الحنين قطافها).

إنها أشبه بمحاكمة علنية لكل من مر في حياتها، وتقييمها هو الحكم، وهي القاضي في محكمة الحياة، ذلك القاضي الذي يحكم بالعدل وفق ما اختزنته ذاكرتها.

وفي هذه الدراسة سوف أختار بعض العناقيد نماذج تمثل بقية العناقيد، وسأخصصها للنماذج الطيبة والنماذج السيئة.

تستخدم الكاتبة في بداية كل عنقود مقدمة تكون بمثابة مفتتح للولوج إليه، وقد كتبتها بأسلوب الخاطرة، وقد سبق لي أن استخدمت هذه الطريقة في إحدى رواياتي، إذ كتبت خاطرة في بداية كل فصل من فصولها.

العنقود الأول: عمي المرحوم سلمان

(بعض الأشخاص ينعمون في جنان ذاكرتنا، وبعضهم بئس مصيره في الدرك الأسفل منها).

بهذه المقدمة افتتحت الكاتبة دالية ذكرياتها، متحدثة عن عمها، والد زوجها، إذ تستذكر علاقتها الطيبة معه، وكيف كانت تلك العلاقة تؤثر في سلوكها تجاهه.

(وكان يحبني كثيرًا ويدللني، بل ويدافع عني كلما ظلمتني حماتي رحمها الله، وكان يتحدث عني في كل بيت من بيوت القرية: كيف أعامله وأحترمه وأحنو عليه) ص3.

هذا الاستذكار للعم سلمان نقلته الكاتبة بكل حيادية، وهو نابع من رد فعلها تجاهه، إذ كان يعاملها معاملة طيبة، ومن الطبيعي أن تبادله المعاملة نفسها.

إن كل تصرف في الماضي، وكل كلمة أو رأي، سواء أكان مؤيدًا أم معارضًا، أو أي موقف، يرسخ في الذاكرة، ويسترجعه الإنسان عندما يتذكر تلك الشخصيات، سواء كانت من الأحياء أم من الأموات.

العنقود الثاني: امرأة الليل.. أمل / أقذر امرأة

أم اشترت حياة أولادها ببيع جسدها.

(والمضحك المبكي أننا كنا نقدم شكاوى عديدة، ونوقع عليها، لنتفاجأ بأنها في اليوم التالي خرجت من السجن أكثر وقاحة من السابق، حتى يئسنا من الخلاص منها، فكان أن رحل أهلي من المنطقة كلها، ولا نعلم الآن عن تلك القذرة أي شيء، لا سامح الله من أسكنها بيننا. أما من هو، فللأسف شيخ جامع مجاور لحارتنا).

في هذا المقطع من دالية الذكريات ترسل الكاتبة رسالة تحذير من الخداع في المجتمع، فشيخ الجامع، الذي تتمثل وظيفته الأساسية في نشر العلم والمعرفة والمحبة والتسامح وتعاليم الدين، نراه ـ بحسب ما ترويه الكاتبة ـ ينقلب إلى شخص يمارس الرذيلة مع امرأة فقدت زوجها ولم تجد معينًا لها، فاضطرت إلى بيع جسدها، حتى أصبحت منبوذة في الحي الذي تسكن فيه.

والمفارقة المؤلمة في هذه التراجيديا أن تلك المرأة أصبح لها نفوذ، فلم تفلح الشكاوى التي تقدم بها الأهالي في إبعادها عن الحي، مما دفع بعضهم إلى الرحيل حفاظًا على كرامتهم والابتعاد عنها.

العنقود الخامس: أم عدنان الحورانية

كونوا أوفياء لذكرياتكم الجميلة، احترامًا لمن شارككم تلك اللحظات القدسية.

(كان أبو عدنان وأم عدنان جيراننا، يفصلنا عنهم حائط فقط، ولم نشعر بأي معاملة طائفية منهم، بل كنا نشعر أنهم أهل لنا، فقد زارونا في قرية أبي (بيت الوادي)، وزارهم أهلي في (بصرى)، وكانا قد أنجبا عدة ذكور وبنات).

تتحدث الكاتبة عن السلم الأهلي والمجتمعي، فأهل الحارة تربطهم علاقة الجيرة المبنية على المحبة والاحترام، ولا يسأل أحدهم الآخر عن دينه أو قوميته أو معتقده أو طائفته. ويقول الإمام علي عليه السلام: «الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق». وهذه المقولة الخالدة نجد تجلياتها بين الأهالي في المدن والقرى، حيث يسود السلام والوئام، ولا شيء ينغص حياة الناس أو يدفعهم إلى نبذ الآخر بحجة الاختلاف في الدين أو المعتقد.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان