ثقافية

غياب النضج العاطفي في رواية “صباح الخير أيها الحزن” لفرانسواز ساغان

رند الأسود / بغداد

لايسع القارئ الذي يبدأ بالصفحات الأولى لرواية (صباح الخير إيها الحزن) للكاتبة الفرنسية فرانسواز ساغان الا أن يلاحظ الثقب في السفينة، كما يقال، منذ البداية. فرغم أجواء الصيف والمصيف والحب والسحر، إلا ان ذلك الحزن الشفاف ينساب بهدوء داخل الرواية، ويتولد مع كل تبرير بعد كل تصرف غير منطقي من البطلة سيسيل المراهقة ووالدها الأربعيني الذي يعيش بعقلية مراهق.

“صباح الخير أيها الحزن” رواية تبدأ بالحب والبهجة والعشق والسهر والحفلات، لكنها تنتهي بنتيجة حتمية للاستخفاف بمشاعر الآخر وعدم تحمل المسؤولية.

بين المخاوف النفسية والتقلبات..

انجزت ساغان روايتها الأولى، صباح ايها الحزن، عندما كانت تبلغ من العمر ثمانية عشر سنة وهنا نلاحظ ان عمرها قريب من عمر بطلة الرواية التي تجاوزت السابعة عشرة سنة فاستطاعت ان تعبر صاحبة (ابتسامة ما) عن كل ما يجول في ذهن المراهق، مراقبته لتحركات من هم اكبر منه سنا وتفسير كل حركة بسيطة وتبرير كل تصرف سيء يقوم به.

القارئ للرواية يلاحظ أكثر من تغيير نفسي داخل سيسيل في مشهد واحد فقط. الحب والكره والحقد مشاعر ترتبها التربية حسب الأولوية، فعندما يعيش الأب حياة المراهق الذي يتخيل دائما ان للحب والعاطفة فترة زمنية محدودة، فمن المستحيل ان تخرج أبنته عن هذا الإطار، فهي نشأت على الحب المؤقت وحياة الانحلال التي تعيشها مع والدها لاتعرف العاطفة الصادقة المستمرة. مثلما وجهت آن لهم هذا النقد

“لديكم فكرة سطحية عن الحب، إنه ليس مجموعة من الأحاسيس المستقل أحدها عن الآخر.

خمنت ان كل قصص حبي كانت هكذا. كانت انفعالا مفاجئا أمام وجه او حركة او تحت تأثير قبلة كانت لحظات منعشة ولذيذة من دون تماسك وانسجام. هذا كل مااحتفظ به من ذكرى عنها.

-إنه شيء آخر. تقول آن: هناك الحنان الدائم. والرقة والشوق. ثمة أشياء لايمكن أن تفهمينها.”

سوء تصرف وخطأ توقيت

تعمدت ساغان إثارة عاطفتنا تجاه المراهقة سيسيل رغم أخطائها، فجاءت آن تمثل الحقيقة الصارخة من دون تجميل. والأخيرة امرأة أربعينية جميلة، شاركت والد سيسيل في تربيتها والاهتمام بها، فهي ليست شخصا غريبا عن حياتها. ورغم ذلك لم تستطيع سيسيل تقبل فكرة ارتباطها بوالدها، ولا الحياة الجديدة التي رسمتها آن لهذه الأسرة.

وفي غمضة عين تحول مصير رايمون وابنته بيد آن، ورغم انها حاولت نقلهم من حياة الفوضى إلى حياة اكثر استقرارا، فإن توقيت هذا التغيير كان خاطئا. فلو حاولت تغيير حياتهم تدريجيا لما استفز ذلك سيسيل ودفعها الى التخطيط للتخلص منها والعودة الى حياة السهر والحفلات والعلاقات العابرة.

لقد ارادت تبديل إيقاع الأسرة دفعة واحدة، فكانت النتيجة رد فعل سلبي من سيسيل ووالدها رايمون رغم علمهم بحسن نيتها وتمسكهما بها. والمثير في هذه الرواية أن ساغان تمنح القارئ كل المبررات التي تجعلنا نتعاطف مع التآمر على بصيص الأَمل الوحيد فيها، فنعيش مع بطلة الحكاية كل المشاعر، الخوف، والترقب، وتأنيب الضمير.

“تناولت الجريدة. كنت اريد أن تغضب، أن تخرج من هذه اللامبالاة الهادئة لكي تغني فقري العاطفي. اعتقدت أنها محقة وأنني كنت أعيش كحيوان تحت رحمة الآخرين وفي حاجة إليهم.”

ومثلما يقال ان الاب هو الحبيب الأول لكل بنت نلاحظ في الرواية غيرة سيسيل على والدها، فصوت الغيرة والخوف من الفقدان واضح جدا، لانها كانت تعلم ان جميع النساء اللواتي مررن في حياة والدها كن مجرد وجوه جميلة من دون عمق فكري، لكن آن كانت مختلفة عنهن تماما، فقد تميزت بحكمتها الى جانب جمالها لذلك نجد الغيرة تسير جنبا الى جنب مع الاعجاب. وبالعودة الى سنة 1954، سنة صدور الرواية التي حققت نجاحا كبيرا، نجد أن احد أهم اسباب هذا النجاح هو العمق الفكري الذي قدمته ساغان داخل الرواية. فمن الممكن قرائتها بأكثر من وجه، وجه الحب والحرية والسعادة، ووجه آخر أكثر عمقا يتمثل في الخوف والتردد والتبرير.

فنحن أمام مراهقة بكل مخاوفها وتبريراتها وأفكارها اللحظية. حتى قصة الحب الوحيدة التي عاشتها سيسيل داخل الرواية كانت أقرب الى رغبة في التملك منها الى الحب.  فلم تعرف هي ولا رايمون معنى النضج العاطفي، وجاء المشهد الأخير ليجسد استمرارهما في الحياة على النهج السهل الذي اختاراه، رغم كل التعقيدات التي مرا بها..

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان