يحيى الرخاوي
لا يبدو فى الأفق، فى الوقت الحاضر، بديل عمّا يسمى الديمقراطية، فلا مفر من أن نستعملها أمرا واقعا، لكنه ينبغي أن يظل مرا علقما، لأنه يظل اضطرارا مؤقتا، إما أن نقدسها ونكرر ببلاهة مستسلمة أنها بما تلوثت به من ألاعيب الإعلام وبيع الأوهام: هى الحل.. فإننا نحيلها إلى صنم يُعبد، وهى ليست إلا تصبيرة حتى يبتدع لنا الإنسان المعاصر بتكنولوجيته الفائقة القدرة، وإبداعه المتحدي، ما نقيس به “وعي” الناس الحقيقي، لا مجرد رأيهم الظاهر الملعوب فيه وبه، بما يحافظ على بقائهم ويكرمهم بشرا، فيحميهم ممن يتاجر باحتياجهم ويسخرهم لخدمة أغراض غير واعين بها وأسياد لم يختاروهم. ذكرت فى يومية الجمعة أول أمس ما قاله “روجيه جارودى” عن الآلهة المزيفة المعاصرة صناعة القوى الاستعلائية المستغلة: إلهَي “القوة” (السلطة) و”التنمية” (التكاثر)، وكنت قد ربطت ذلك بمقالى السابق عن الأديان المزيفة بطقوسها: من أبواق الإعلام المبرمج سرا وعلانية، وأصنامها من الصناديق وقرابينها من أوراق الاستفتاءات، وأيضا حَجَّهَا فى التظاهرات المدارة عن بعد بالريموت كونترول. يمكن أن نفهم ما كان يقصده جارودي، بإلهىْ “القوة” (السلطة) و”التنمية” (التكاثر)، وحين يجرؤ أى واحد، مثلي، على التنبيه إلى مدى ضعف مصداقية الديمقراطية المتاحة وتوظيفها لخدمة المال والسيطرة، فينهَى عن تقديسها مع أنه يقبل باستعمالها اضطرارا مؤقتا، فيُتهم بالهرطقة، تماما مثلما كان يـُتهم بالهرطقة من يكتشف نظرية علمية جديدة لا تتفق مع نصوص الكتاب المقدس، وأيضا مثل من يجتهد الآن فى فهم أو استلهام ما أنزل الله تعالى، فيُتهم بالكفر والزندقة لمجرد أنه قدم ما استوحاه من كتاب الله لصالح ما ينفع الناس ويمكث فى الأرض، لأنه خالف ما أجمعت عليه “الجماعة” زمان (أو الجماعة الآن). حين انتبه جارودي إلى زيف هذه الآلهة المعاصرة، ورأى فى الإسلام أنه لا إله إلا الله، وأن الشرك أخفى على النفس من دبيب النملة أسلم، لكن لابد أنه فوجئ بعد ذلك وهو يرى أن أغلب الإسلام المعاصر (أو أغلب من يتكلم باسمه) قد توقف عند مرحلة عبادة “الحرْف”، دون مواصلة الكدْح، فكادت ألفاظ تفسيراتهم تصبح صنما لا طريقا. ومن شعائر دين الديمقراطية بما أنزلته آلهتها على بنوكهم، هذا الدفاع المستميت عن الشرعية، الذى يبرر تقديس صنم مستعار من خصم متآمر، يحاولون بعبادته أن يحققوا أهدافهم السلطوية أو الفئوية الخاصة، هكذا يجتمع الصنمان المقدسان ليخدما نفس الإلهين المزيفين إلهَيْ “السلطة” و”التكاثر. المُستحدث فى هذه الوثنية المعاصرة هو تبادل المنافع بين الأصنام المتماثلة برغم ظاهر التناقض، أصبح شعار “الديمقراطية هى الحل” بمعناه الثابت الجامد الملوَّث المستورد، داعما ومكملا لشعار “الإسلام هو الحل”، ومكافئا له، وليس عجيبا أن يحتجّ أصحاب شعار الإسلام بتقديس شعار الديمقراطية، ما دام يخدم نفس الآلهة، وليس ثم فرق أن اختلف المنتفعون أو اتفقوا ليتقاسموا الغنائم. الإسلام ليس حلا إن لم يكن طريقا حتى يدخل الإيمان إلى قلوب من يسير على دربه إلى وجه الله، ليكرم البشر جميعا، ويحطم الأصنام ” قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِى قُلُوبِكُمْ…”، والديمقراطية ليست حلا لكنها طريق طوارئ مؤقت لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق الحرية والعدل لتكريم كل البشر، إلا بيقظة ناقدة مراجعة طول الوقت، مرة أخرى: “دَمـَـقـْرَطْ بالديمقراطية حتى تَأتيكَ الحرِّية”، قياسا على قول بلدياتنا: “تجمّز بالجمّيزْ حتى يأتيكَ التِّينْ”.
كاتب مصري





