علي علي
بدءًا قد يخال قارئ سطوري هذه انها تحقيق عن صناعة الورق، هي ليست كذلك، لكن كما يقول مثلنا: (تالي الليل تسمع حس العياط).
بديهي ان الصينيين أول من توصل الى صناعة الورق من النباتات. فبعد ان كانت الكتابة على جلود الحيوانات وألواح الطين عند البابليين والسومريين، اكتشف الصينيون طريقة أسهل وأكثر جودة. فقد استغلوا سيقان نبات الخيزران المجوفة، وكان هذا في القرن الأول الميلادي. إلا ان لون الورق حينذاك كان غامقا وشديد السمرة. وبتطور الكتابة وتنوع أهدافها، ازدادت الحاجة الى مادة ورق أكثر نظافة ونقاوة، ذلك ان الكتابة باتت أكثر فائدة وانتشارا، فاستخدموا لحاء الاشجار والقنب، فكانت نتيجته تفي بالغرض المنشود.
ما دعاني الى سرد هذه الديباجة عن مراحل تطور صناعة الورق، هو بيت من الشعر فيه استعارة مجازية تبين أهمية نوع الورق وشدة بياضه في تحمُّل وإيضاح ما بقلب الشاعر او الكاتب او المرسل من كلمات، يقول بيت الشعر:
ماذا سأشكو على الأوراق من ألم
أقل شكواي لايقوى له الورق
فالورق -إذن- هو الأرضية التي تحمل المشاعر والأحاسيس، من أفراح وهموم، هو المرسال الذي ينقل الأوامر بين القائد وجنده، بين الملك وعامليه، بين الحبيب وحبيبه، وعلى هذا وجب ان تكون هذه الأرضية نقية لاتشوبها شائبة.
في السنين العشر الأخيرة، يعيش العراقيون في ظل حريات عدة، اولها وأهمها حرية انتخاب الرأس او الحاكم او القائد، وبهذا فان الطرفين مسؤولان، فالرأس مسؤول عن مرؤوسيه، والمرؤوسون مسؤولون أمام رئيسهم، ولكل منهم واجبات وحقوق. ومااختياري لمفردة الورق إلا لكثرة تداولها بين الساسة وقادة الكتل والأحزاب ومجلس البرلمان. حيث سمعنا سابقا عن ورقة الإصلاح السياسي وورقة الإصلاح الوطني وورقة عمل وورقة كشف ممتلكات وأوراق فساد، وغيرها من الأوراق، بعد ان لم نكن نعرف غير ورقة الماء و الكهرباء والتلفون والتموينية، فضلا عن ورقة الايجار وورقة الطلاگ، وبعد ان هل علينا عام 2003 رأينا ورقة (أم المية دولار). ومهما تنوعت وتعددت الأوراق فأول شرط لتداولها والعمل بها ورفع شأنها؛ هو ان تكون (نظيفة) ولاسيما الأوراق التي تخص القيم والمثل، كورقة الشرف التي استبدلت مؤخرا واسموها ميثاق، والميثاق يجب ان يكون أشد نظافة من الورقة إذ هو يشمل الكلام المكتوب والمقروء والمنقول بل وحتى الكلام الذي يدور في خلدنا وسريرتنا، فالعمل بفحواه يعكس مدى نصاعة ونظافة نفوسنا.
فياساستنا: (النظافة من الإيمان) ليكن هذا الحديث الشريف الذي لايحتاج الى توضيح، شعاركم وهدفكم في كل أوراقكم أيا كان اسمها قلبا وقالبا، لاسيما وجلّكم (صايمين مصلين). ولتكن ورقتكم التي ينتظرها العراقيون، عراقية الصنع لا صينية، وان تكون معمدة بماء الفراتين، يفوح منها عبق الروح الوطنية العراقية، وان تأتي أكلها يانعة، فقد طال صبر العراقيين بعد ان (ثخّنتوها). فلا تصنعوا منها (طيارة ورقية) كعادتكم، تلعبون بها وتتلاعبون بمصائر الملايين.
aliali6212@yahoo.com





