كريم السيد
كثيرا ما يقال لمعشر الكتاب والصحفيين أنكم ترمون بأنفسكم بتهلكة حرق الاعصاب واتخاذ المواقف واختلاف الرؤى في بلد يسوده الولاء جملة وتفصيلا, بدءا من شيخ العشيرة مرورا بالسياسي ورجل الدين والدول المجاورة. انت شيعي, اذن انت من أتباع ايران. انت سني اذن انت عثماني سعودي- تركي وانا ابن قبيلة فلان ومرجعي فلان واميل لتيار فلان وهكذا.
الاختلاف بحد ذاته رحمة, اذا ما كانت خلفيته تنطلق من ثقافة التعدد وتقبل الاخر, كوننا الان نعيش ببلد ينتهج الديمقراطية التي تقتضي احترام حقوق الاخر والمساواة بالحقوق و المسؤوليات, لكن الذي يحصل في قبال الانتماء المستتر مسحة من الحياد المفترض, فالواقع يفرض على اي عراقي -اي كان اتجاهه- ان يظهر حيادا حتى لو كان هذا الحياد “كاذب مصطنع” فهو يندرج وفق رؤية الرجل الذي يجبُّ الغيبة عن نفسه ويضمن له شفاء آنيا من وجع الدماغ الذي يخلقه التعدد.
ولكن الرسالة والموقف والشرف يفرض علينا كل تلك الشجاعة المهنية الأخلاقية الشرعية الوطنية. فمن غير الممكن ان يتملص المثقف من دوره (كما تملّص الآخرون) تاركاً الساحة تتلاطم بأمواج الخلاف والعصبية التي ستؤثر على الجميع, الساكت والصارخ معا.
اعجبتني كلمه قرأتها لرجل الدين السيد كمال الحيدري يقول فيها: ” لا يجوز لأية جهة أو قيادة مرجعية أو سياسيّة أو ثقافية أو اجتماعية أن تبقى على الحياد، في عالم يسقط الحياديين, لأن العالم هو “عالم الموقف” أما الذين لا موقف لهم، فإنهم يخرجون من العالم لأن من لا يشارك العالم في كل تطوراته وتحدياته وأوضاعه يخرج منه ويكون ميتاً بين الأحياء”
أعتقد ان هذه قراءة موفقة من الحيدري, وهي قراءة دقيقة. لأننا يجب أن نكون احياء وشهودا على ما يجري بدلا من ان نكون امواتا لا تعقل قولا ولا خطابا. أن نكون بلا موقف ولا كلمة, وفي ذلك دوام لحالة الخطأ التي تجري, اذ لا جريء يتكلم بالتصحيح, اذ لا حي بيننا نحن الاموات.





