ثقافية

"شرخ أخلاقي في الوسط الثقافي العربي الألماني"

وهم في الواقع لم يأخذوا أصلاً الثقافة العربية مأخذ الجدّ، ولم يحترموا الأدباء العربّ قط، إلا لدواع مشبوهة ولمنافع شخصية لا علاقة لها بالأدب والثقافة ومدّ الجسور مع الآخرين. ولا ينطبق هذا التجاهل بالطبع على الكتّاب الإسرائيليين المحتفى بهم دائماً في ألمانيا إعلامياً وسياسياً وأدبياً. وتشهد قائمة حملة الجوائز الأدبية الألمانية من الكتّاب الإسرائيليين والاحتفاء بهم على هذه الحقيقة الساطعة.

 

وعندما سألتُ ذات مرّة هانس ماغنوس إنسنسبيرغر عن سبب تجاهل الأدب العربي المعاصر – نشرَ إنسنسبيرغر رواية الخبز الحافي في إطار مشروع حمل اسم المكتبة الأخرى – فبرر ذلك بالقول إنّ القارئ الألماني لا يرغب في قراءة الأسماء التي تبدأ بلام التعريف العربي أو تكون فيها شارحة تفصل بين الاسم ولام التعريف العربية. ونحن نعرف تماماً بأنه ساعد على نشر كتاب يبدأ اسم مؤلفه بالألف واللام، لكن الألماني لا يلام على ما يفعل فهو السيّد دائماً!وعندما سألته عن سبب تجاهل (المثقفين العرب) المنفيين بالذات، قدم إنسنسبيرغر إجابة مطولة تقريباً فقال إنّه كان يعمل نادلاً في بار أمريكي في ميونخ بعد نهاية الحرب العالمية الأولى وكان يشعر بالامتعاض كلّما سمع خبراً مفاده أن كاتباً ألمانيا منفياً عاد إلى بلده بعد انهيار حكومة الرايخ الثالث. وبات هذه “العودات”المتكررة تقضّ مضجعه لأنها كانت تذكره بعاره الشخصي وجبنه مثلما أسماه، لأنه لم يظهر أي شكل من أشكال المقاومة إبّان الحكم النازي، وكان ينظر إلى هؤلاء العائدين بصفتهم أبطالاً حقيقيين.وعندما ذكرته بأنّه نشر لشاعرة (عربية) مثيرة للخلاف وتحوم حولها الشبهات، وسألته هل فعل ذلك لأسباب عاطفية بالمعنى الذي عناه غونتر غراس؟ قال إنسنسبيرغر ضاحكاً: “نحن الألمان لا علاقة لنا بمشاكلكم الشخصية والعامة أنتم العرب، بل عليكم أن تحلّوا هذه المشاكل بأنفسكم”.وكان الشاعر الألماني دورس غرونباين تحدث عن الرحلة إلى اليمن فذكر: “انطلقنا في اتجاه الشمال وسرنا في شارع شيّده المهندسون الألمان امتلأ بأحشاء الكلاب التي دهستها السيّارات توّاً بشكل يدعو إلى الدهشة فعلاً. ومرّت مجموعتنا السياحية، ترافقها سيارات الشرطة ذات الأضواء الزرقاء كانت تطلق صفارات الإنذار فاسحة الطريق للسيّارات الفخمة السوداء التي أقلت أمراء الشعر والحافلات الصغيرة التي جلس فيها الصحفيون والمرافقون، مرّت بنقاط التفتيش حيث كان الجنود المسلحون ببنادق الكلاشنكوف ينظّمون حركة السير”.وأنفقت الحكومة اليمنية وحدها نحو نصف مليون دولار على رحلة الأدباء الألمان ودفع الجيش اليمنيّ القسم الأكبر من هذا المبلغ، رغم أن معظم الأماسي نظّمت في أكاديمية الشرطة اليمنية بصنعاء. ومما لا شكّ فيه هو أن المثقفين العرب يسعون دائماً إلى الحوار مع الآخر، وبالأخص مع المثقف الأوروبي القريب منهم – اُنظر مثلاً مواقف الكاتب الصهيوني الفرنسي برنار ليفي إزاء العرب وقضاياهم، وقد طالب مؤخراً بالتدخل العسكري الأوروبي لتحرير مالي!

 

يتحدث الكاتب العراقي الأصل حسين الموزاني، في كتابه “عالمان متوازيان” الذي صدر باللغة الألمانية، عن خبرته ككاتب في المنفى، وعن الطريق الطويل الذي سار عليه حتى استطاع الكتابة بلغة غوته.لكن على المثقفين الأوروبيين أن ينظروا بشيء من الاحترام إلى الثقافة العربية المعاصرة والمواقف المبدئية للكثير من ممثليّ هذه الثقافة. فنحن لم نسمع بأن غونتر غراس أو هانس ماغنوس إنسنسبيرغ أو ميشائيل كروغر أو فولكر براون على سبيل المثال التقوا ذات يوم بزعماء ديكتاتوريين منبوذين ثقافيّاً على غرار الجنرال الإسباني فرانكو أو التشيلي بينشيت أو الصربي ميلوزفيتش.

 

وبعد ذلك اكتشف المثقفون وأساتذة الأدب الألمان ومعهم أدباؤهم دولاً عربية أخرى، خليجية هذه المرّة. وجاءت الدعوة من حاكم إمارة دبي محمد بن راشد المكتوم بصفته شاعراً قبل كلّ شيء. ولبّى الدعوة عدد من كتّاب اللغة الألمانية المشهورين ومنهم إنسنسبيرغر وفولكر بروان والسويسري أدولف موشغ، إضافة إلى أدونيس وأساتذة جامعيين ألمان. ولأن هذه النخبة من الكتّاب لم تجد ما هو جدير بالاهتمام في دولة الإمارات العربية فآثرت أن تقيم حفلة شواء في الصحراء فتحلّقوا حول خروف غير محشيّ تلفحه النيران ليلاً ويصغون تارة إلى أنغام الربابة، الآلة التقليدية الوحيدة في هذه البلاد، ويتسامرون طوراً بصوت خفيض هامس كقنّاصي الأرانب، إذا ما عنّ لنا هنا أن نستخدم وصف الروائي النمساوي روبرت موزيل للأحاديث الثقافية التي سادت في الحقبة النازية.وتمخضت ثمرة هذا اللقاء عن ترجمة ديوان عن النبطية إلى الألمانية للشاعر محمد بن راشد المكتوم، مقابل ترجمة عدد من كتب حملة لواء الثقافة الألمانية هؤلاء إلى اللغة العربية. ولعلّ حفلة الشواء أقيمت على مقربة من المنطقة الصحراوية التي عذّب فيها الأمير عيسى بن زايد آل نهيان رجلاً أفغانياً بطريقة سادية لا توصف.فهل تمّ هذا التستّر هنا على جرائم الحكّام العرب واعتقال المثقفين وتعذيبهم بفعل السذاجة أو اللامبالاة أو الغطرسة والعنجهية؟ وهل يتحمل المثقفون الألمان وحدهم مسؤولية إخفاء الحقائق وتلقي الرشى، أم تقع مسؤولية تشويه الثقافة العربية، وجعلها ثقافة سياحية استهلاكية خاوية، على المرافقين والمضيّفين العرب والمثقفين أو بالأحرى أدعياء الثقافة؟

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان