عناية الجابر
كنت أظن لوهلة وأنا البريئة أن الناس عندنا قد تعلموا منذ زمن طويل أساليب الناهبين الطامعين فينا، وبأرضنا وما تحتها. كدت أتوهم ان الناس منا، “المسافرين”، “المداعكين” منهم على الأقل، أو الذين قيض لهم أن يقرأوا ولو كتاباً عن الموضوع، قد تعلموا أن طبق الاستعمار لا يأتي ساخناً أبداً. بل هو بارد كالثأر. يأتيك من حيث لا تتوقع وفي الوقت الذي لا تنتظره أبداً، وفي قلب هدايا العيد أحياناً كثيرة. ظننت أن الجميع تعلم درس الاستعمار الأول الذي قرأناه وسمعناه صغاراً وتكراراً في قصة ليلى والذئب. تصوروا ما أسخف القصة لو قام الذئب بالإجابة عن أسئلة ليلى المشككة بصراحته المعهودة: انا يا ليلى ذئب. جئت فقط كي التهمك وألتهم جدتك وأمر على دجاجكم وأرانبكم أشفي غليلي وغليل جوعي العتيق من لحمكم ودمكم. طبعاً لم يكن لجوابه أن يغيّر من طبيعة الحقائق شيئاً. فما كتب قد كتب في تلك الظروف. لكن طبيعة الذئاب أن تتقدم مقنّعة. من خصائص شخصيتها أن تقول عكس ما تضمر. الذئاب تحب التسلية أيضاً. الغش من صفاتها. فهي على ما يبدو لا تحب إشباع حاجاتها إلى الأكل بدون أن تتسلى بضحيتها قليلاً. من منكم لم يراقب الهر وهو يقع على “ضحية”، صرصار أو فأر. ألا ترون كيف يتسلى به قبل أن يأكله؟ كيف يتمكن منه ثم يتظاهر بتركه كي يهرب فيعود إليه مستشرساً. ويبقى “يلعب” معه حتى يلتهمه كلياً. هل كنا نتوقع من الاستعمار، أيها السيدات والسادة، أن يقول لنا بموضوعية أو بصراحة أنا الذئب. جئت لأن بلادكم غنية بالنفط والغاز. جئت لأن موقع بلادكم على الخريطة العالمية جميل وإستراتيجي. جئت لأن ممراتكم البرية والجوية والمائية ضرورة لنا في صراعنا مع المنافسين الجدد. جئت لأن ما تملكون ضرورة لنا كي نعيش بهناء ونستطيع أن نوزع على شعوبنا فتاتاً منه فيقبلون ويسكتون عما نفعل بكم من بغاء وعهر وسادية. تصوروا ما أسخف القصة لو قام الاستعمار بمصارحتنا بأهدافه هكذا وبدون أي مراعاة لخواطرنا. تخيلوا لو جاء هكذا، على وجهه إمارات الغضب والأسف لما سيضطر إلى قوله، وأعلن: “أنا الذئب واحتاج اليكم كسوق مفتوح وحرّ لبضائعنا. فرأسماليتنا مثلا بحاجة لكم كي تحقق فائضها الرأسمالي. لا تؤاخذوني لكنني فعلا مضطر. وأقسم لكم أنه لولا هذه الضرورة لما جئتكم مصارحاً”. لا جمال بغير لعب. ولذا يلعب الاستعمار ويظن الصرصار لوهلة أنه يلعب معه لا عليه. يصدق الصرصار، وهذا أيضاً من طبيعته لا بل من غريزته، أن الاستعمار جاء فعلاً كي يمدنا بالتمدين، وبالديموقراطية، ولكي يعيننا على إسقاط استبدادنا وعلى تحضرنا، وعلى إيقاف حركة العودة إلى الوراء. يصدّق صرصارنا أن الاستعمار يلعب معه.
كاتبة لبنانية





