حازم لعيبي
قبل أيام قلائل من موعد رحلة الطيران الى بغداد و انا أودع احد الأصدقاء الاميركان من أصول هندية ” الهند البلد و ليس الهنود الحمر سكان أميركا الأصليين ” آثرت ان أقول لصاحبي تلك الجملة الروتينية و التي غالباً ما نفضّل قولها نحن العراقيون قبل السفر
– شجيبلك وياي؟
ابتسم و رد عليّ ممازحاً : كل أنواع الأكل العراقي !
ليردف مجيباً على طلبي و الحاحي المتكرر “شجيبلك رجاءً”؟
،لكن هذه المرة بود و لطف كبيرين قال؛ إن افضل شيء تجلبه لي بعد سلامتك هو : كيف تعمل انت و الآخرون لنجاح بلدكم العراق ، أنني أؤمن ببلد عريق مثل العراق كنت و مازلت و سأبقى .
و الحقيقة وضعني الطلب آنف الذكر في حيرة من أمري ، وتساءلت مع نفسي : كيف أجلب لصديقي نجاح البلد و هل هنالك حقيبة تسع ذلك و هل طلبه مخصص ام عام! .
مع هذا حضنت البروفسور كما أحب ان اناديه “رغم انه حاصل على درجتي ماجستير باختصاصين مختلفين” ، و صافحته و من ثم وعدته ان استمر قدر تمكني من ذلك بالعمل و بطرق إيجابية ملؤها الأمل في النجاح سواء في قريب الأمد او بعيده ، فانا مثل السيد”هيمَنت و هذا إسمه الاصلي ” أؤمن بالعراق و بالعراقيين أيضاً و أيضاً.
قد توطدت علاقتي بـ “هيمَنت” بعد حكاية طريفة ليس إلا ، يومها طلب مني الإجابة عن ما المقصود بالقول العراقي الشائع ” شفتنا سود عبالك هنود ” ، كان قد سمعها من كثير من الأخوة العراقيين و يبدو قد فسّرها المفسرون بطريقة غير مقبولة أخلاقياً و عنصرياً ، و آليت ان لا اذهب بعيدا في ما قيل له معتمدا على ما سمعته من قصة و سبب القول و لِمَ ارتباط الضحك على الذقون بالهندي الأسمر و ليس الأحمر ، و بالتأكيد للقول حكاية او سبب ما ، و هذا ملخص إجابتي لصديقي الهندي ، فأثناء الحرب الأولى كان البريطانيون قد استخدموا الكثير من الهنود في الحرب و حينها كانت موانئ البصرة ممراً للجيوش البريطانية ، و ما كان يشاهده العراقي من أعداد كبيرة تساق كحطب لنار الحرب و بالاخص من طائفة السيخ ذوي العمم الملونة ، دعاهم للتندر قولا بذلك ، أو ربما رداً على عرض قد قدم من البريطانيين الى العراقيين للتطوع في الجيش البريطاني مقابل الهجرة الى بريطانيا ، ليرد أحد حشاشة العراق حينذاك على الطلب بـ “شنو شفتنا سود عبالك أحنا هنود”
و على ذكر الحقيبة و حيرتي بكيفية حمل نجاح بلد بها فأمر يبدو تخيلي اكثر ما هو واقعي وأنا حقاً لست بقادر على ذلك لوحدي ، لكن السيد هيمنت حملني فوق طاقتي و الطلب في حقيقة الأمر أثار فيّ نحو البروفسور نوعا من التبجيل و الاحترام للطافة الطلب و في الحال ربطت ذلك بثقافة السفر عندنا نحن اسود الرافدين ، و كيف تبدأ الطلبات تنهال على العراقي المسافر قبيل شد الرحال ، و يحمل مسؤوليات هو او هي بغنى عنها خصوصا تلك الرحلات التي تستغرق أيام و ليس ساعات ، فهذا يحملك أدوية و مستلزمات تجميل ، و ذاك مبالغ مالية او ذهب ، و تلك ملابس أطفال ، و لا يراعى في كل هذا القوانين بشكل عام او حتى قدر و كبر المسؤولية في ذلك ، مع هذا فبالنسبة لي افضل توصيل ما خف وزنه و رخص ثمنه و بالتالي أقلل من حجم المسؤولية الملقاة على عاتقي ، و حتى أكون اكثر موضوعيةً و منصفا فالبعض يدعو لك ” ان تروح و ترجع بالسلامة” . لكن في إحدى سفراتي الى العراق طلب مني احد الأخوة العراقيين جلب اوراق و أقراص كمبيوترية من عائلته و فوجئت بزيارة والدته لنا و كان معها حقيبة تزن اكثر مما هو مسموح ، حينها كانت حقائبي معدة حسب الأصول و أوزانها مضبوطة و ليس هنالك متسع للزيادات حتى أنني تركت معظم ملابسي و أحذيتي الفائضة عن الحاجة ، و بكل ود و لطف قدمت اعتذاري قائلا للسيدة الفاضلة ؛ خاله بس ابنچ گلي اوراق و أقراص ، لترد علي بطريقة بدت لي غير مقبولة و كأن الأمر سهل و هين في سفرة تمتد اكثر من يوم و عليك ان تغير الطائرة على الأقل اربع مرات و ان وافقت فعليك دفع الغرامات على ذلك و التي قد تساوي ثمن ما تحتويه الحقيبة و بعد أخذ و رد حملتها مجبراً ، و لم اتجرأ بالقول للسيدة و ابنها بدوافع ” المستحى ” يابه شفتونه سود عبالكم إحنا هنود ، حينها تذكرت البروفسور هيمنت حين ألححت ألح إلحاحا عليه ” شجيبلك وياي ” لكنه أصر يصر إلحاحا: أن أعمل مع العراقيين لنجاح البلد و كانت حقيبة الهندي خفيفة لكنها غالية ، و يبدو لي ان ثقافة السفر واحدة من مسائل كثيرة و مهمة ستضع العراقيين على طريق النجاح الحق.
إي و الله





