شوقي كريم حسن
لا يمكن للتاريخ أن يؤسس لوجوده وسط الفراغ… لأنه يستمد مقومات استمراره وتوكيده من خلال الأفعال المؤثرة في الوجدان العام ، وتنتقل هذه التأسيسات لتكون جزءا مهما من الذاكرة الجمعية التي تجعل الإنسان قادراً على الاستمرار والمساهمة في إضافة أفعال ما تلبث هي الأخرى أن تكون لبنات ارثية، والرواية وجه من أوجه التأسيس التاريخي لأنها تعمل على تحفيز الذاكرة الجمعية وتوثيق ما تراه مناسبا وضروريا لأبدية التكوين وقد تساهم من خلال خصائصها الفنية في تشكيل افتراضات واقعية وهمية .. يراد منها نقل المتلقي إلى بؤر ضوئية تلامس أحلامه وأخيلته، وتؤثر في أعماقه كم من الأسئلة التي ترفض الواقع المهيمن وتدعو إلى إجابات تقدم سيول من البرامج والمعطيات الجديدة، وتشكل الرواية وهي خطاب هيمنة على العقل الإنساني منذ اهتمامه بالتدوين التاريخي وتوضيح مقاصد الأفعال وردود أفعال الأبطال وتبيان حيواتهم، حافزا نفسيا يؤكد فعل التطهير الذي أوجده أرسطو فعل درامي مسرحي، إذ أن ثمة قصديات في الكتابة … مثلما ثمة قصديات في عملية التلقي وكلا القصديات تبحث عن فكرة التطهير .. الذي يبحث هو الآخر عن خلاص يصير الروح الإنسانية أكثر شفافية وأدق في التعاملات اليومية سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية … وضمن هذا المنظور الفني عمل (محمد نعيم الحمراني) في روايته (الهروب إلى اليابسة) والتي قدمت نفسها كحالة بديلة عن تاريخ وجداني ذوبته مجموعة من الفعاليات السلوكية التي جعلت الهروب فعلا مبررا بعد أن امتلأت روح البطل (محمد) بركام من الاستذكارات بدأت بالطفولة وانتهت .. أو هي لم تنته بعد عند ضفاف البحث عن عالم سبق وان شكل حيزا مهما في وجدانيات الذاكرة الجمعية .. ويعتمد الروائي سردا يشبه التسلسل الحكائي لولا تلك اللغة التي استخدمها والقريبة من ذاكرة الشعر إذ استخدم الروائي مجموعة من الموروثات بدأت بالأسطورة السومرية، بترنيمة غريبة هي مزيج من حاضر … ومجهول … إذ لحظة استمع إلى الصوت كانت قدمه اليمنى تسير باتجاه المجهول الذي لم يكشف عن غير معرفة بسيطة ما تلبث أن تعود بنا إلى تدوير انتقالي رحلة إلى البداية المجهولة … وأغنية تقصد الروائي تقديمها مقلوبة في نهاية الحدث الذي يؤكد مضمونا ما عاد جديدا على الرواية العراقية رغم غرابته وخصوبة دلالاته التي تتوافر على صدق التعبير ودقة التصوير الذي يصل أحيانا إلى حدود الفوتوغرافي الذي يجعلنا نتساءل عن الضرورات الفنية إلى مثل هذا التوثيق المتحرك في اتجاهات عدة ، رغم تشابه هذه الاتجاهات ومحاولة الروائي لملمة خيوطها بحماس ينقلب أحيانا إلى ضياع في مظاهر المكان الذي يعد المؤثر الأول في حركة الأحداث ، فلولا المكان لما استطاع الروائي أن يجد متنفسا ليفلسف كل تلك العلاقات التي تبدو شبه أسطورية … فالمكان … والسرد … وتكديس الأحداث قدمت حكاية ذات حساسية شديدة، وأشارت بوضوح إلى مساحات شاسعة من الارتباك الذي حدث نتيجة المتغيرات الحياتية والمعالجات التي رسمت في الذاكرة الناشئة وجها آخر لواقع كان إلى زمن قريب ابلغ دليل على مكامن الوعي الأسطوري في العقلية العراقية .ولان الرواية اعتمدت هذه الفكرة ، فلقد حللها الحمراني بوعي حذر بعض الشيء متغافلا و لربما لسبب نفسي الولوج وسط ظواهر أكثر حساسية إذ بقي يدور في ذاكرة بطله متفحصا الأشياء بعيني واقعه وراسما إياها بذات العينين ، فهو (أي البطل) يقدس حياة الأهوار لكنه لا يعرف أسرار بعض أساطيرها يستمع إلى حكايات والده (شمخي) دون أن يسعى إلى تحليل تلك الحكايات كنتيجة حتمية لوجوده وسط دائرة السؤال الذي حفزه على فكرة الرحيل والوقوف على جانب مهم من جوانب حياة أسلافه الذين تغدق عليهم الحكايات أبدا المديح والعصمة ، فثمة في الذاكرة أبدا ماض جميل ، وحكايات جميلة ، وأجداد أكثر جمالا من أيما شيء في الحاضر أو المستقبل وتلك هي حكاية أبدا مادام يشعر أن الحاضر مجرد عبء لا يفلح الإنسان مهما فعل الخلاص منه .. ويشعر الراوي ومعه المتلقي بان ليس ثمة جدوى مادام ثمة لا شيء.. إلى ماذا أن نهرب .. وكيف ما دام الواقع لا يحقق التوازن النفسي بين الأسطورة والواقع والأسطورة وذهنية الإنسان والبحث الذي أراده الحمراني و الهروب الذي اتخذه عنوانا إنما أراد من خلاله إيجاد متحقق ذهني ما بين مثل الماضي، والمثل التي يعيش والمثل التي يسعى إلى توكيدها وبهذا سقطت فاعليته الانتقالية في أحضان الاغتراب، فثمة مباعدة عن الواقع وثمة فقدان لذاتية حاولت التوفيق وبحثت بإخلاص عن الانفراج النفسي الذي ما إن ظهر في بداية حياة البطل حتى انطفأ في أفق القنوط واليأس محاولا ولوج عصمة الذاكرة .. فالجميع يمر سريعا .. متوسلا حضوره في ذهنية الروائي والذي يحاول فرض وهيمنة آراءه على مجمل ما يراه .. طارحا مجموعة من التراكمات الخبرية دون إضافة أو تفاعل مستقبلي حيث يبقى الواقع سابح في مدارات خارجية غير محسوسة، والتي ما كانت لتتجسد لولا الثنائية الحكائية التي أعتمها مكان القص ، ولان الروائي خبر المكان كظاهرة عجائبية قدمه بعينين حياديتين أحيانا خوف أن يتهم بما لا يراه ضروريا أو قد يكون محسوبا على خبرات غير ايجابية ، برغم معرفته أن الأسس المجهولة التي يبحث عنها الروائي بين الإطناب أو تلك التي كان يجب أن يبحث عنها هي أهم كثيرا من تلك المعروضة والمقدمة في دائرة السرد الروائي .وبالرغم من هذا تبقى رواية (محمد نعيم الحمراني) هروبا من الحلم إلى اليابسة .. ومن اليابسة إلى الحلم مهما كان خاويا .. فلا شيء يميز الفنان سوى أن يكون مساهما في أن يغير من رتابة الوقوف عند الأطلال… وانتظار قد لا ينفع في الذي يأتي والذي لا يأتي وهذا ما فعلته الرواية بحذر .. وبحذر شديد .









