كتاب الحقيقة

أنف الوردة ..أنف كيلوباترا

نعيم عبد مهلهل

 

مات أبي ولعشرات السنين حصدنا السنبل والملكة سلمتْ شيخوختها الى السيرة الذاتية وولي العهد. أنا كبرت والنخل كبر أيضاً،سمك النهر، باب بيتنا الخشبي. دمعت أمي كبرت أيضا……. هيراقليطس كبر، البرتو مورافيا، فيروز كبرت ..! عمتي، جارتي، بائع الدخان، ومُلقح النخل، وآخرون يسكنون الآن جزيرة سومطرة …! ريحانة وحدها لم تكبر، لم يهزمها العمر ولم يُخط لها أثواباً بمقاسات السنين التي تأتي وتذهب . وبقيت دائمة النظارة مثل كليو باترا، لكني لم انتبه إن كان انفها معقوفاً أم لا..؟ في عمري المتأخر، كان صديقي في المقهى شيخا من شيوخ الطرائق، موهبته انه يغيب عن نفسه ويحب الورد حد الجنون، عِلمهُ في صمته ورهبته في نظرته، يسكر في عطر القدح ويتيه في الرؤيا، وسؤاله الدائم لي : هل استيقظ إدوارد سعيد من قبره ..؟ ولكي افهمه، اذهب الى كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد، فأكتشف إن علة أبي في حزنه القروي الدائم، عندما اشتهى امرأة بأنف معقوف ، فلم يجد، فرضي بأمي بديلاً، وكان يلتف بجسده معها لحظة رغبتهما المشتركة بإنجاب ولد.. الشرق الذي جعل يوليوس قيصر يشم أطراف ثوب كيلوباترا، مثلما يشم الكلب ظل صاحبه ..! وهكذا طوال أزمنة الحلم التي عشتها في بيئة القرى المسحورة بدهشة الطقس الجنوبي كان ذلك الجمال يمثل بالنسبة لي ذاكرة المشتاق الى شوقه عبر ما اختزنته من ملامح حكاية سكنت طفولتي، يلونها غرام براءة طفولة الاستمناء وصناعة دمى الطين، كان هذا في أزمنة الحلم السومري، ولكن في عالم جديد، في القرن الحادي والعشرين، الغرام ليس وجه امرأة تضعه على المرآة وتتأمله كما تتأمل مونليزا دهشة دافنشي الغارق من ريشته وحتى أخمص قدميه في عينيها لحظة جلوسها أمامه ليرسمها، حياة المتغيرات التي لا تحصى، عندما يولد هكذا غرام في بيئة بسيطة وبدائية، ثم تمارس عليه الحضارة سطوتها وحداثتها فتجعله شيئاً من ذكريات رومانسية الزمن القديم، فيُرغمَ على السير مع ما يحدث، ويذهب مع حلم الأنف المعقوف بعيدا، ناسيا سحر أهوار سومر، ومتعلقا كما خفاش بحذاء ملون بأطراف معاطف ثلج أوربا ..لهذا سأحاول وأنا أقف عند أعتاب التذكر أن أعود في ذاكرتي الى فسحة الزمن البعيد، هناك حيث يرقد بهاء التأمل والموت المبعثر على صفحات القدر بسريالية عجيبة، فبعضهم يموت من عضة سمكة وآخر تقتله دمعته، غير أن الموت الشائع في تلك القرية المدثرة بمعطف غيوم الحروب، هو موت (الشظايا!) وعلى بعد بوصة من أنف الوردة، يشم الطفل عطر صدى ذلك المكان ..وعلى بعد رمش من أنف كليوباترا يشم الرجل أزمنته ذات التراكيب الملونة، أزمنة المدافع وقواد جيوش الفيالق الرومانية وغنج الملكات المؤنث باهتزاز السرير..

 

في طقس مجنون كهذا، عليك أن تمسك هذه المشاهد بذاكرة القرية وأهلها الذين لا يحتفلون بثوب السيناتور الإغريقي بقدر احتفالهم بالثوب المخروم من كل (أكتاره) كما الألواح المفقودة من أسطورة جلجامش .وبالرغم من هذا حاولت أن اجمع الصور كلها في عدسة واحدة، والتقط أنفاسي وأبدا تدوين ما حدث برعشة راوية هاوٍ علمته المرأة أن يقرأ أزمنته وأزمنة الذين سبقوه من الأهل والأخوان والأعمام والأصدقاء، أولئك الذين ذهبت فيهم فتنة الأنف المعقوف الى متاهة البحث في كل شيء، وما وجدوه ولم يجدوه سيبقى يدور في فلك واحد وتساؤل واحد حملوه الى قيصر وأنا معهم : متى تبتسم لنا كليوباترا … ومتى تموت الحروب ..!؟

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان