كتاب الحقيقة

يافرحة الماتمَّت..!

علي علي

معلوم ان المعنى اللغوي للعيد في لغتنا العربية هو الوقت الذي يَعُودُ فيه الفَرَح اوالحزن كل عام، حيث تصبح أيامه عادة يعتاد عليها الناس بشكل دوري سنويا. ومعلوم ايضا ما لأجدادنا من عهود زاخرة بالأفراح والأتراح تضيق بجمعها أسفار التاريخ، حتى غدت ملاحمنا وقصصنا وبطولاتنا تُنقل وتترجم الى باقي الحضارات منذ القدم، ولكن الأكثر منها خيباتنا وكبواتنا وإحباطاتنا وانكساراتنا. وما أرى في تاريخ العرب أكثر من العراق ولاسيما بغداد رصيدا بتلك القصص التي لم تعد تحويها ألف ليلة أو ألف شهر أو ألف عام. وكما يُقال: (أفراحُ عرسٍ على جوانب مأتم) فقد يرى البعض في العيد فرحا وغبطة سرَّت به نفوسهم، فيما لم تذق فيه نفوس أخرى إلا المرارة والحرمان والبؤس والشقاء، ولم تكن أيامه تزيدهم إلا ألما وحرقة لما آلت اليه حياتهم ومعيشتهم، وهم يعومون على الكثير من الخيرات، من دون ان ينالوا منها غير الحسد، فهم يجسدون بيت لبيد بن الأعوص:

كالعيس في البيداء يقتلها الظما

والمـاء فـوق ظهورهـا محمـول

ولنا في عيدنا الأخير ذكريات تكاد تتكرر كل عام من غير تحديث او تجديد، إلا ولوغا في الهموم والمآسي، حيث تتسرب في قصص وأشعار أجدادنا عاكسة بهذا واقع حالهم بالأمس، ونحن بدورنا نعكس حالنا اليوم. فلو قلبنا سفر تراثنا أنبأنا بما عاناه سكان وادي الرافدين من سوء حال لاينسجم مع بلد عريق الحضارات له سبق بالآداب والعلوم والعلماء والاختراعات، ويتمتع بما في أرضه ومياهه من خيرات. وما فتئ الشعراء يشكون من الحرمان، حتى باتت مسحة الحزن هي الصفة المميزة والعلامة الفارقة في أشعارهم، وقطعا تحت مرأى ومسمع أولي الأمر وأرباب الحكم من ولاة وملوك ورؤساء تسنموا هرم القيادة من قاعدته حتى قمته، من دون أن يغيروا من واقع حال العراقيين شيئا على مدى قرون. أما ما حدث في الربع الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من الواحد والعشرين، فهو كما نقول: (مايلبس عليه عگال) فبدءًا من المتنبي عندما أنشد:

عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ

بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ

مرورا باللاحقين الذين تناسلوا الحرمان كل مع ما يتماشى مع زمنه وبيئته، فهذه عراقية تتساءل في بيت دارمي:

إلمن كحل حطيت والمن تحنيت؟

عيد ويلم احباب ليش انت ما جيت؟

وأخرى لم ترَ في العيد إلا امتدادا للاحزان:

عيد اليمر عالناس عني آنا محظور

حتى بنهار العيد لافيني عاشور

فهل ياترى يأتي يوم تزاح فيه مسحة الحزن هذه من أعيادنا وأيامنا وتدخل البسمة كلماتنا وقلوبنا وبيوتنا وأبياتنا!. وكفانا حزنا تسرب وتشرب فينا حتى وصل الى التهاني والتبريكات!. ليت شعري ان يسعى من بيدهم زمام أمور هذا البلد المعطاء مسعى جادا ويضعون نصب أعينهم مصائر الملايين من هذا الشعب الذين آن الأوان لهم ان يتنفسوا الصعداء، وكفانا حزنا.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان