متابعة/ الحقيقة
يقرّب الكاتب العراقي حسين الموزاني لنا أعمالاً فنية تتميز بالخامة الصلبة والإحساس المرهف ويطوف بنا في أروقة معرض في برلين للفنان البريطاني البارز أنيش كابور، المولود لأب هنديّ وأم عراقية يهودية الديانة، الذي يقيم معارض مشتركة وفردية عالمية عملاقة، فيها تشكيلات مستوحاة من العهد القديم والملاحم التاريخية مُجسّدةً قوى الشر الهائلة الفتاكة المتربصة بالإنسان ونسله في كلّ لحظة. غالباً ما يجد زائر المعارض الفنيّة نفسه أمام معضلة حقيقية تتعلق كلّ مرّة بمفهوم الفنّ ودلالاته المتعددة، ولا سيما إذا لم يكن هذا الزائر من ذوي الاختصاص. وتبدو هذه المعضلة أكبر حجماً حين يكون الفنّان شهيراً ومجدداً وتعرض أعماله في أهم الصالات والمتاحف العالمية. وهناك رأي ساخر في هذا السياق أطلقه الناقد الألماني كارل هاينتس شميد Karlheinz Schmid، مفادة أنّ الفنّان، وحتّى المغمور أو غير المبدع، يحتاج إلى خمسة من أصحاب صالات العرض، وثلاثة من جامعي اللوحات المرموقين واثنين من رؤوساء المؤسسات الفنيّة وإلى مدير متحف خبير يفضّل هذا الفنان على غيره، بالإضافة إلى بعض المروجين الإعلاميين، نعم أنّ هذا الفنان سيجد أمامه حينئذ فرصة لا تعوّض لاجتياح السوق. ولد أنيش كابور في عام 1954 بمدينة بومباي الهندية لأب هنديّ وأم عراقية، يهودية الديانة، وانتقل في عام 1973 إلى لندن نهائياً حيث درس الفنّ وصار يقيم المعارض المشتركة والفردية في جميع أنحاء العالم.ولكن هل يمكن التخلّص من هذه النظرة المسبقة والتي لا تخلو من الإجحاف حين نتأمل أعمال الفنّان الهنديّ-العراقيّ -البريطانيّ أنيش كابور Anish Kapoor المعروضة في متحف مارتين غروبيوس باو في برلين (من الثامن عشر من أيار 2013 وحتى الرابع عشر من تشرين الثاني من العام ذاته)؟ يعرض لهذا الفنان سبعون عملاً مختلفاً تتوزع بين النحت والتركيب والتصنيع التقنيّ. ويشغل العمل الأول قاعة دائرية كاملة ، يطلق عليها اسم باحة الضوء في مبنى غروبيوس، وتتفرع منها قاعات العرض الأخرى. ويحمل العمل عنوان Symphony for the Beloved Sun „سمفونية للشمس المحبوبة” وهو عبارة عن أربعة هياكل حديدية عملاقة تشبه سكك الحديد المعلقة بشكل مائل والمتعارضة بعضها مع بعض. وقد ركّب على كلّ سكّة محرك كهربائي يدفع قالباً معبأً بمادة شمعية حمراء، يميل احمرارها إلى الصدأ، فتسقط على الأرض من علو، حيث تتشكل كتلة شمعية ضخمة، أو خامة راكدة، تكاد تكون منفصلة عن العمل الفنّي نفسه، وتذكّر إلى حدّ ما بنفايات المعامل الكيمياوية، وعُلّق قرص أحمر أيضاً في أعلى القاعة يرمز إلى الشمس المنتصرة هذه المرّة. وتعزف هذه الأذرع الحديدية الضخمة موسيقى خافتة احتفاءً بالشمس الحمراء الساكنة والخالية من الأشعة. ويحيل هذا العمل إلى أوبرا للفنان الروسي كازيمير ماليفيتش Malewitsch تحمل عنوان “الانتصار على الشمس” والتي عرضت للمرّة الأولى في عام 1913 بمدينة سان بطرسبورغ، وقوبلت بالاستهجان والانتقاد اللاذع وتحولت إلى فضيحة “فنيّة” بسبب محتواها الدادائي وغير المترابط منطقياً. “يعرض لهذا الفنان سبعون عملاً مختلفاً تتوزع بين النحت والتركيب والتصنيع التقنيّ. ويشغل العمل الأول قاعة دائرية كاملة ، يطلق عليها اسم باحة الضوء في مبنى غروبيوس، وتتفرع منها قاعات العرض الأخرى. ويحمل العمل عنوان Symphony for the Beloved Sun „سمفونية للشمس المحبوبة” وهو عبارة عن أربعة هياكل حديدية عملاقة تشبه سكك الحديد المعلقة بشكل مائل والمتعارضة بعضها مع بعض”، كما يذكر حسين الموزاني. فهي تتحدث عن صراع الإنسان المستقبلي مع الشمس، فيتغلب عليها الإنسان المعزول ثم يضعها في منزل من الإسمنت. وتظهر الأوبرا من ناحية ثانية عبث الوجود على الأرض وهشاشته وانعدام قدرة الإنسان على التحكم بقواه الذاتية والاستفادة من حريته الشخصية. وقد لا نجافي الحقيقة إذا ما قلنا بأنّ هذه النظرة الفنية تحاكي أسطورة سيزيف الإغريقية الشهيرة والتي تتحدث أيضاً عن لا جدوى الحياة ونسبيتها، باستثناء تلك المتعة الحسيّة القصيرة التي تجتاح سيزيف كلّما دحرج الصخرة إلى أعلى الجبل.









