سامية خليل
اسمها هاجر.. إمرأة و رضيع و لا يدري إلى اين يأخذهما، هو ليس بتائه، إنما الحكمةُ اقتضت أن يمشي في الدرب و هي تمشي معه، فكان كلّ ما مرّ على مكان أعجبه فيه شجر و نخل و زرع قال: ههنا يارب ؟ فيأتيه النداء: إمضِ..!
ظلاّ سائرين حتى نزلا بأرض لا زرع فيها و لا ماء، إلاّ حرّ الشمس و إمتداد مخيف لرمال محروقة بالعطش .
في تلك الأرض المقفرة من الرحمة تركهم مع كيس من التمر و قربه صغيرة فيها قليل من الماء لاترويهم من ظمأ الغربة و حفنةٍ صبر تعينهم في قادم الأيام ..
هي بدت خائفة و أكثر خوفا على رضيعها، فتعلّقت به و هي تلّحُ عليه، رّقَّ قلبهٍ فتحيّر.. كان بإمكانه الإنسحاب و العودة بهما أو الهروب حفاظاً على رضيعههِ بدلاَ من أن يزجهم في هذا الخيار.. خيارُ صعب حينما يتعلق إلى الجانب الأيسر من الحياة؛ لكنهُ يدرك أن الهروب إنقلاب و الإنسحاب هزيمة ..! و مضت بفستانها الفضفاض و انسحبت سحباً جميلاً و هي تتمتم: إن كان أمر الله.. فلن يضيعنا..
نفد التمر والماء من بين يديها. واشتدت حرارة الأرض فعطشت هي و رضيعها. الطفل الرضيع في بكاء شديد، فلم تعد تطيق رؤية طفلها يتلوى من الجوع والعطش، فقامت تسعى بحثا عن الماء في الوادي بين جبلين. انطلقت تبحث عن الماء في كل اتجاه. وكان الصفا أقرب جبل إليها، فصعدت عليه ، و لوهلةٍ ما بدت متسمرة:
امتدادُ مخيف..بل أكثرُ من ذلك، جاوزت ببصرها و عقلها و روحها، فوجدت نفسها أمام أهم سؤالٍ في الحياة: من ينتصر .. الموتُ أم الحياة..؟!
و راحت تنظر في كل ناحية فلاح لها على المروة سراب ظنته ماءً، نزلت عن الصفا وراحت تسعى مهرولة في الوادي باتجاه المروة، وفي ظنها أنها ستجد الماء. ولكن كانت خيبتها حينما لم تجده شيئاً، إرتعشت قليلاً فوقفت منهكة، كأنه التعب الراجعُ من جهاد.. تنظر وتتفحص فلاح لها سراب في الجهة الأخرى على الصفا وكأنه الماء فعادت مهرولة إلى الصفا و لكنها لم تجد هنالك شيئا.. تروحُ و تجيء هكذا في كل مرة، حتى فعلت ذلك سبع مرات، فلما كانت في المرة السابعة، وقد اشتد بها العطش، وأخذ منها التعب، وأنهكها المسير، دون أن تعثر على الماء. نظرت إلى رضيعها فإذا الماء ُينبعُ من تحت قدميه، فأتته مسرعة وراحت تجمع حوله الرمل وهي تقول: زم زم. ثم أخذت تشرب من الماء حتى ارتوت وانحنت لتسقيه.. باتت تدرك أن الحياة في مكانٍ آخر .. هاجر ..اصبح لها كيان تهتز فيه.. أصبح لها لون تصطبغ به.. هو لون الإيمان الصامد بحقيقة المبدأ : إن الله لن يضيعنا…





