ثقافية

طيور الفريد هتشكوك.. وطيور الفريد سمعان

الطيور.. ديوان شعر، جديد للشاعر الفريد سمعان، وهو من اصدارات الاديب للصحافة والنشر ـ عمان ـ الاردن، احتوى الديوان على ست عشرة قصيدة مترابطة كانها قصيدة واحدة رغم تنوعها واختلافها كونها تشكل سرباً من الطيور، وقد جاء هذا الديوان بعد اربعة عشر اصداراً. وقبل ان استلم الديوان من اليد الكريمة للشاعر عرفت ان اسم الديوان ( الطيور) وحينها تبادر الى ذهني فيلم المخرج الشهير ( الفريد هتشكوك) وتساءلت في سري هل ثمة علاقة تجمع ما بين هذه الطيور، ودلالاتها الفكرية والرمزية؟

تتميز قصائد الديوان بتلك النكهة المحملة بالشوق والاسى المعطرة بالمودة الباذخة، التي تطلب ابلاغ الكون كله بشفرتها الموجعة، ومن بين كل قصائد الديوان سنتحاور مع اولى قصائده المسماة باسم ( الطيور) وهي قصيدة ، جميلة، مشرقة، معبرة، محملة بالدلالات الغنية، التي تتوهج في خطوطها التعبيرية مادام اسم القصيدة ( الطيور) فلا باس ان نتذكر ان كل طيور كوكبنا الارضي يشملها هذا العنوان، كبيرها وصغيرها، جميلها وقبيحها، ابيضها واسودها، لاقطة الحبوب واكلة اللحوم، تلك التي تعيش في الاجواء الباردة او الحارة او المعتدلة… وهذا ما بين لنا اختلافها وتنوعها، رغم انها تحمل جميعاً تسمية الطيور… وعلى اثر ذلك نكتشف ان طيور ( الفريد هتشكوك) هي طيور قبيحة المنظر، سوداء بالكامل، في حين ان طيور (الفريد سمعان) هي طيور جميلة، رائعة، بل هي غاية في الروعة والجمال…. اضافة الى ذلك فان طيور ( هتشكوك) طيور زاعقة ذات صوت مقرف، في حين ان طيور (سمعان) ذات اصوات شجية، مغردة كما هي الطيور الاخرى… تنفست اجنحة الطيور… في اعشاشها وتفتح الطريق.. وغادرت فراشها في نخلة ساحقة امام جيش الشمس… او بين اغصان… تعيش في امان.. كي يمتد في مسارب الارض.. وانطلقت اجنحة فضية.. حنين النور للاشياء.. تحاورت اصواتها.. تفرش الدرب بما تهوى… والاكواخ.. والمزارع العتيقة المخضرمة. ومادامت طيور الشاعر جميلة مغردة والتي هي بالضد من طيور المخرج فان هذا بالتاكيد يؤشر لنا، ذلك المأتى الدلالي البليغ الذي يتجسد في شعرية الخطاب من ان الشاعر منحاز للجمال بكل اشكاله والوانه، رغم ما يحيط به من حزن وحنق واسى، لكنه لايرنو الا للفتنة التي ارخت سدولها على الياليه. كانت الطيور التي اطلقها المخرج الامريكي ( الفريد هتشكوك) في فيلمه طيوراً شرسه، عدوانية، اضافة الى قبحها وزعيقها المؤذي، فقد هاجمت هذه الطيور السكان وحاصرتهم في بيوتهم، ولم يسلم منها احد، في حين ان طيور ( الفريد سمعان) الشاعر كانت طيوراً اليفة، هادئة، وديعة، لكنها حزينة، حزن ذلك اليمام الذي جزت غدائره الخضر كف الرحيل، لذلك تراها تنوح النواح الابدي، اذ يبدو ان المحن الكثيرة التي عاصرتها وشاهدتها هو ما جعلها بهذا الحزن… كل الطيور.. في شتى بقاع الارض.. تشتهي الغناء.. والرقص على الاغصان او تناجي بعضها الآك… ياطيورنا فانت اثرت البكاء والنحيب (كوك اختي وين اختي بالحلة وشتاكل باكلة وشتشرب ماي الله وين اتنام إبيت الله) لعله بعض الوفاء للجثث المقطوعة الرؤوس والاشلاء التي تفرقت على بلاط الارصفة والتحمت ببعضها ولم تعد تعرف من هو القتيل. لقد اراد المخرج الكبير ( الفريد هتشكوك) من خلال فيلمه ( الطيور) ان يقدم رسالة كبيرة للانسانية اجمع تقول بتغيير الحال، في حال تغير الاحوال الاقتصادية ولذلك جعل طيوره بهذه الهيئة وبهذا التصرف، وهو امر غير مالوف وبعيد عن الطبيعة… لكن رسالة الشاعر الكبير ( الفريد سمعان) الى الطيور، لم تقل بلاغة عن سابقتها، وان اختلفت في الرؤى والتي بثها في تلك المفاصل الدقيقة لجسد القصيدة، حتى تكون احالتها الداخلية اكثر بلاغة وانسانية، وهي تحمل تلك البيادر المتناثرة رسالته البلغية… ايتها الطيور احملي انفاسنا الى بيادر الحب الى خمائل اللذات والجنائن المعلقة وضمدي الجراح والاهات بباقات الأمل. لقد استطاع الشاعر ( الفريد سمعان) وعبر قصيدته هذه، ومن خلال السرد الشفاف، المطعم بالخيوط التعبيرية، ان يلقي المزيد من الضوء على روح الفعالية الشعرية، فاذا بالكائن الشعري، ينهض من مكامنه السرية ليقول ويؤكد المزيد من القول، ولاتقصد بذلك القول السائد والمالوف، بل ذلك القول المؤثرة والمقنع في ان واحد، والذي يؤشر تلك البساطة التي يتجلى بها هذا الشاعر المبدع، الذي اصبح شاعراً مهماً في ادلاء شهادته التاريخية على الوجه الاكمل، وهو يشير الى تلك الحالات الصعبة التي يتعرض لها الناس، في بلاد اصبحت كلها عبارة عن ساحة حرب… فها هو يقول بكل صدق وصلابة.. فقد تفجرت بالامس عبوة.. مجبولة بالحقد.. صبت نارها على الرؤوس.. والتحمت ببعضها الاجساد.. سالت الدماء.. لونت مضاجع الحب.. والستائر الجذلى.. وافراح المساء.. تبعثرت حقائب الطفولة الملونة.. واطبقت على الملاعب الخضراء..مزقت احلى الشفاه.. والنهود اصبح من الواضح الان ان ( الفريد هتشكوك) قال كلمته الاخيرة من خلال السينما ومن خلال اسلوب الخوف الذي يزرعه في جسد الفيلم السينمائي ليعبر عن افكاره ورؤاه وهو اسلوب بلا شك غني ومؤثر، لكنه قاصر عن فهم المشكلة الانسانية بكل ابعادها اضافة الى ذلك فاننا لازلنا نتذكر الشاعر الفارس ( ابو فراس الحمداني) في قصيدته التي ناجى فيها تلك الحمامة النائحة، وهو عبارة عن صداح صادر من القلب، لكنه صداح ذاتي جميل لايرقى الى تلك البسالة التي يتجلى بها الشاعر ( الفريد سمعان) التي اجتاز بها دروب المحنة القاسية التي يمر بها الشعب وماقاساه من قتل وتشرد لايزال سائراً في غيه. ان الشاعر في قصيدته ( الطيور) كان انساناً وطنياً صادقاً وشجاعاً ابياً، صاغ من الام شعبه تلك الترانيم الرائعة التي لامست شغاف القلب.. عبر موسقة الشعر التي كانت تتهادى مع الدلالة الضمنية للقصيدة، من اجل ترصين الكلمة الدالة والمؤثرة فكان يعرض مباهج الحياة وجمالياتها الاثبرة الى النفس، الى جانب العدوانية القاتلة التي يتعرض لها الشعب، محملا تلك الطيور النورسية كل الرسائل المهمة التي اراد توصيلها الى الانحاء القصية، لتعرض الماساة الكبرى التي يعيش في داخلها وكان في كل ذلك باسلا وجميلا واصيلا..فاذا كان ( الفريد هتشكوك) خيالياً في طروحاته، واذا ( ابو فراس الحمداني) ذاتياً في نجواه، فان الشاعر لم يكن كذلك، لانه ببساطة كان في بؤرة الموضوع فكانت طروحاته صادقة ومؤثرة، كان يسير في طرقات وعرة لكنه لفرط بسالته لم ينكفىء او يتقاعس او يكتفي بتلك التهويمات التي غرق فيها الاخرون، لذلك تواشجت الشاعرية مع البسالة لتكون صوتاً رافضاً لكل الحسابات الخاسرة التي حاول الاعداء مع اوغادهم زرعها داخل مباهج الخير، كان جسوراً في عطائه هادراً مثل شلال، قابضاً على جمرة الصبر ومجابهة المستحيل، مبشراً باليوم القريب الذي سيجيء بالنصر على يد العراقيين الشرفاء، حينها ستتفتح زهور الوطن.. ويندحر الارهاب والى الابد وتلك هي بؤرة الموضوع وجذوته المتقدة. سوف تاتيكم غداً رسائل الحق العراقي الاصيل

وسوف تنهال على اوكاركم

عواصف من الغضب

غداً تمزق الارادة الشماء

رايات الدمار

غداً يقودكم الى مزبلة التاريخ

جيش الشرفاء

ان رسالة الشاعر كانت بليغة وجميلة ومؤتلقة تشبه حفيف الهمسات وهديل العاشقين وضربات المقاتلين.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان