كتاب الحقيقة

نواعي فــَيهـِن

عدنان الفضلي

أجمل ما في جدتي لامي ( فـَيهـِن) انها حين لا يعجبها الوضع تبدأ بترديد النواعي، وترشح عيناها بدموع لا ادري من اين تسيل، لان لون عينيها اقرب للون (الطين خاوة) فلا هما بالخضراوتين ولا بالزرقاوتين، بعد ان جاستها الشيخوخة باكراً، لكن الغريب في الموضوع ان جدتي لا تحفظ اشعار الرثاء التي ترددها، بل تجمع مقولات من هنا وهناك وترتبها كجمل غير مفهومة، تشبه بعض قصائد النثر التي اساء بها بعض الشعراء لهذه القصيدة، وهذا الامر يجعلنا نضحك بصوت عال بدلاً من التعاطف مع جدتي المسكينة، وقد شاعت قصة جدتي بين بيوتات اهلي وعشيرتي وصارت مثلاً، فحين يتحدث احدهم بلا معنى يقولون عن حديثه هذا (نواعي فـَيهـْن).

هذا الموضوع اجده اليوم في تصريحات العديد من المسؤولين من الذين يريدون اقناعنا بانهم يحرصون على العراق والعراقيين، فيبدأون برص جمل ما انزل الله بها من سلطان، بحيث انك لا تفهم ما الذي يريدون قوله، حيث انهم يوظفون مصطلحات واحاديث دينية غير متناسقة او متقاربة في المعنى، بل ان اغلبهم ينسخون كلام اقرانهم حتى وان اختلفت الرؤى والمفاهيم والوعي، وبالتالي يصير المواطن الذي يستمع لهم (مثل الاطرش بالزفة) فالبكاء التمساحي الذي يمارسه بعض ساستنا، يتضمن طقوساً غريبة في ترتيب الجمل، فضلاً عن محاولاتهم محاكاة بعض اللهجات التي ينتمون ولا ينتمون اليها، مثل مدّ الحروف، والاكثار من دس الوطن والوطنية داخل جمل هي بالاساس خالية من المواطنة، كون الخطاب يحمل آثار الطائفية التي تلبدت قلوب اغلب ساستنا بها، فصاروا لا يجدون غير التسقيط السياسي لغة للتخاطب، معتمدين على توظيف المذاهب والقوميات في الخطاب السياسي.

جدتي (فَيهِن) وان كانت امية، لكنها في الحديث تتميز عن اغلب نساء عشيرتنا، لانها ولدت في بيت ابيها شيخ احدى عشائر مدينة الناصرية، ولديها ذات النفس والكبرياء، لذلك فهي متحدثة لبقة توصل ماتريد قوله بسلاسة، لكنها تتخبط حين تقحم نفسها في قضية الشعر والرثاء فتجعل من نفسها اضحوكة لنا، نحن الذين لم نكن نعرف معنى ان تكون مقهوراً ولاتمتلك الادوات التي تعبر فيها عن قهرك والمك مثلما نفعل اليوم. .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان