كتاب الحقيقة

مأزق قانون التظاهر

محمد أبو الفضل

الناظر إلى مصر يشعر أنها تعوم في بحور من التوترات. فكل يوم تقريبا لا تخلو الشوارع والميادين الرئيسية في القاهرة وغيرها من المحافظات، من تظاهرات واحتجاجات تنطوي على أعمال عنف أحيانا، مؤيدة للإخوان أو معارضة لهم، مطالبة بعودة مرسي أو تنشد السيسي رئيسا، محتجة على أعمال الإرهاب أو محتفلة بذكرى حادث أليم أو معترض على اعتقال عدد من أعضائه.. وهكذا، حتى بدا لكثير من المتابعين أن مصر تصحو وتنام، تأكل وتشرب وتتنفس مظاهرات، وأن هذا البلد العجيب استطاع أن يتعايش معها لما يقرب من ثلاثة أعوام متصلة، كأنها جزء من حياته اليومية. لكن في الآونة الأخيرة بدأت هذه العادة تتسبب في كثير من المتاعب للسلطات الرسمية، ما دفعها للتفكير في ضرورة سن قانون جديد ينظم التظاهرات، التي انفلت عقالها وأصبح من الصعوبة ضبطها. الحكومة الحالية، التي يرأسها الدكتور حازم الببلاوي، لم تضع وقتا كبيرا في التفكير، ونجحت في وقت قياسي في طرح مشروع قانون “تنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية في المواكب العامة”. ومنذ أن أعلنت بنود هذا المشروع وكأن طوفانا سياسيا انفجر في سماء القاهرة، وتبارت جميع القوى في رفضه، كليا أو جزئيا، من بينها قوى لعبت دورا مهما في ثورة 30 يونيو – حزيران، وأخرى محسوبة أو قريبة من جهات رسمية، فضلا عن غالبية المنظمات الحقوقية. وبالطبع أضف إلى هؤلاء وهؤلاء جماعة الإخوان المسلمين، التي سبق أن أعدت قانونا مماثلا وأخفقت في تمريره إبان الرئيس المعزول محمد مرسي. وقد اختلط الحابل بالنابل في التقديرات. وتراوحت المواقف بين رفض كلي لفكرة المشروع، وتحفظات على عدد من بنوده التي رأى البعض أنها تمس جوهر حقوق الإنسان. وهناك من اعتبره إشارة أو بشارة لعودة الدولة البوليسية، لأنه منح رجل الشرطة صلاحيات كبيرة في إلغاء أي تظاهرة، حتى لو حصلت على إذن مسبق، كما أعطى الأمن فرصة استخدام الأدوات المختلفة وبصورة متدرجة لفض المظاهرة. ناهيك عن الكلام المتواتر حول اصداره لقصقصة أجنحة أولترؤس أهلاوي وزملكاوي في الشارع، وقطع أذرع وأيادي الإخوان في الشوارع والجامعات، والحد من التوسع في تجمعات بعض اليساريين الرافضين لأي دور للمؤسسة العسكرية في الحياة السياسية.

الواقع أن الحكومة عندما طرحت مشروعها واجهت مأزقا شديدا، حيث لم تتوقع أن يقابل بكل هذا الرفض، الذي وصل إلى درجة حدوث خلاف بين عدد من أعضائها حول بعض بنوده، وسمعنا عن مشادات ومناوشات بهذا الشأن، أكثرها شيوعا ما جرى بين وزير الداخلية محمد إبراهيم ونائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية الدكتور زياد بهاء الدين. وفي النهاية وجدت الحكومة نفسها في موقف لا تحسد عليه. فمشروع القانون الذي أرسلته إلى رئيس الجمهورية المؤقت المستشار عدلي منصور لم يتوافر له إجماع شعبي مناسب يهيئ الأجواء المناسبة لتطبيقه، والتظاهرات تزداد يوما بعد آخر، ووصلت إلى حد أنها أضحت عبئا على كاهل الحكومة، وجعلتها كأن يدها مشلولة أو مغلولة في التعامل مع الخارجين عن القوانين. لذلك اهتدت السلطات الحاكمة إلى منح مشروع القانون المزيد من التفكير، واستمرار الحذر والتريث قبل إقراره، وتردد أن الرئيس المؤقت سيدخل عليه تعديلات يمكن أن تحقق درجة عالية من التوافق السياسي..

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان