كتاب الحقيقة

المكان السومري

نعيم عبد مهلهل

 

من يدلف روح الأسطورة السومرية سيكتشف سحر التفكير الأول واحساس السومري بالكامن الذي يحرك فيه سعة الرؤى الى كشف ما يعتقد انه الوصول الى حيث نقطة سعادة العقل والبدن ، حيث دلمون ستوفر بفردوسها الملون أحلاما لتحصى ، وستجعل فقراء اور واكد ولارسا ونفر وما بنوه شمال بابل وحوض كركوك وأطراف بعقوبة وبمحاذاة تلال ميسان ، تجعلهم لا يستفيقون من الغفوة المدهشة في ألواح التخيل والطقوس والقداسات وأناشيد النذر التي كان فيها السومري اكثر وفاء للآلهة حتى من نفسها وكانت الجنة مختبئة في الخيال اكثر مما هي موجودة في مكان ما على الأرض.

 

في قراءة متأنية للتراث النثري والشعري الذي حوته هذه الأساطير سيكتشف القارئ الحاذق ، إن الرؤيا المتخيلة آتية ذاكرة مهمومة بتعقيد غريب إزاء كل الذي كان يدور في ذلك العالم ، فقد كان الانتباه لما يحدث حتى في تعاقب الفصول ودورة اليوم الواحد والرغبة بصناعة الغرام والمسألة الرياضية يشغلان حيز كبير في لغة الوعي ، وحتى مسلات الحروب كانت تحمل بين طيات مديحها للملوك المنتصرين هاجس الرؤيا ، عبر جعل هذا الانتصار نشيدا سماويا لم يتحقق إلا عندما آتت الآلهة بعرباتها المدججة في السلاح وهزمت الغزاة ، وحتى قصائد العشق وتضرعات البحث عن الخبز والسعادة كان السومري يركن الى روح قانعة في خيارات ما يحدث ، لهذا حتى في قصائد الأعراس ومواسم الحصاد والمطر تشاهد خيط الحزن يلف رقبة القصيدة كما يلف قوس قزح سماء الأرض بعد فصل ماطر ، أنها أبدية ولدت ومازالت تعيش في أحفاد المكان ، فمرات أتخيلها مضيئة وواضحة حتى في وجوه أطفال الجنوب عندما تظهرهم صور الصحف والفضائيات وهم يسكبون نظرة غريبة الى دبابة وخوذة جندي محتل .

 

هذه النظرة لم أتخل عنها في يوم ما ، واعتبرتها زادا إبداعيا لكل أخيلة الحلم التي عاشت وستظل تعيش معي وكأننا نتوارث ذلك الحس وذلك الأسى كما يتوارث الجرحى أهات الشظايا في وجع الخاصرة ، وكما صباحات بلادنا وهي تتوارث صياح الديك جيلا بعد جيل . ظلت دلمون وعلى الدوام شكلاً من أشكال الرغبة المخبئة في كامن النفس كمكان لراحة أزلية قادمة ، وربما تطور هذا الهاجس مع مجيء الرسالات السماوية وتطور الوصف بأكثر تفصيلية وجمالية ومعنى ، لكن الهاجس الأول ظل ينتشي بفرادة وقيعته عندما كان ذلك البدء خاليا من عقد الحضارة وسبطانة المدفع وقناني الدواء الكيماوي وقصور الرئاسات الحاكمة. هذا الظل ، يحتاج الى كشف جديد ورؤى تستعاد بقراءة أخرى .ومن هذه الرؤى ما اعتقده جديدا لتخيل المكان والركون أليه كلما احتجنا الى راحة الجسد والروح ، وسأدرج هنا مقدمة لذلك الضوء ومعه نماذج من تخيل ذلك المكان الساحر ، وفيه مقاطع من كتابي ( فقراء جنة دلمون) الذي ينتظر حلم الظهور الى العالم على شكل كتاب. قبل الكلمة كانت الإشارة .. وقبل الإشارة كانت العيون ..وقبل العيون كان الله ولم يكن قبل الله شيء. بهكذا ضوء تسبح مخيلتي وأنا أصنع دلمون المفترضة من موسيقى الكلمات كطائر سرق أجنحته من لحظة الشعر وابتسامة المرأة ومضى يبحث عن معنى أن تخفق أجنحته مع حلم أن يكون بعيداً عن الأرض ، قريباً من السماء ، حيث يغطي النور نشوة التحليق بهاجس أن يكون قبرهُ الغيم ونعشهُ الريح وجنتهُ صباحات لا تشرق إلا على يتامى يتمنون أبوة وكساء وأرغفة في لبن رائب.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان