كتاب الحقيقة

البكر وعبد الصاحب شراد

رحيم الحلي

 

عبد الصاحب شراد مطرب ريفي جميل ، يحبه الكثيرون من عشاق الاغنية العراقية الريفية ، وقد ذاع صيته في العراق وفي البلدان العربية المجاورة، فقد تعرفت على مطرب سوري خلال اقامتي في سوريا التي تجاوزت الثلاثة عقود ذكَّرني بالمطرب العراقي عبد الصاحب شراد من جديد، هذا المطرب الشعبي اسمه عبد الصمد الهاشم من قرية العشار في ريف دير الزور في سوريا ، ففي احدى زياراتي اواخر عام 1999 الى بيت صديقي هذا (اقصد) المطرب عبد الصمد الهاشم وجدت في ضيافته العازف العراقي الشهير فالح حسن وهناك استمعتُ عن قرب الى صوته الجميل وهو يقلد الفنان عبد الصاحب شراد بطريقة متشابهة جداً ، سرحتُ بعمق في ذكرياتي حينذاك كي اتذكر صورة المطرب عبد الصاحب شراد فلم انجح كثيراً واعتقدت ان ذاكرتي معطوبة فلم اتذكر صورته ولكني تذكرت بعض أغانيه التي عَلِقَتْ في ذاكرتي منذ ايام الطفولة والتي انتعشت حين غناها صديقي المطرب عبد الصمد الهاشم مع عزف الفنان فالح حسن على الكمان ، وهذه الايام ذكرني الدكتور جواد هاشم مرة اخرى بصوت هذا المطرب واعاده الى ذاكرتي من جديد بطريقة محزنة حين ورد اسمه في حادثة طريفة لا يمكنني وصفها الا بمساوئ الصدف ، في اواخر الستينات عندما كان الدكتور جواد هاشم وزيراً للتخطيط في تلك الايام الغابرة وحين تم استدعاؤه في احد الايام لحضور اجتماع لمجلس قيادة الثورة لبحث شأن من شؤون الخطة الاقتصادية كان جهاز التلفزيون مفتوحاً ، واحد المغنيين الريفيين المدعو عبد الصاحب شراد يغني وكنا نناقش الخطة الاقتصادية كما يقول الدكتور جواد هاشم في كتابه مذكرات وزير عراقي وفجأة رفع البكر سماعة الهاتف واتصل بالمدير العام للإذاعة والتلفزيون محمد سعيد الصحاف وقال : من هذا المغني القبيح ؟ ابعدوه عن التلفزيون ! ومنذ تلك الليلة لم يظهر عبد الصاحب شراد على شاشة التلفزيون ، ولم يسمع العراقيون غناءه بعد ذلك الا بعد وفاة البكر ، وهنا تذكرت بعض الذين يحاولون ربط ظاهرة غنائية جميلة يسميها كثير من النقاد والباحثين بالأغنية السبعينية الى العوامل السياسية التي طبعت تلك الحقبة ، فهذا السلوك يؤكد ان حياة المغني ومصيره الغنائي على الاقل تتحكم به السلطة الاستبدادية الفردية ، فهذا الفنان غادر المشهد الاعلامي بمزاج حاكم جاهل لا يفقه شيئاً في الغناء ، ربما يرد عليَّ البعض بانه افضل من حكام يُحرّْمونْ الغناء ، نعم هو افضل في هذا الجانب ، فأن أغلق الباب بوجه مطرب سيء الحظ وجيد الموهبة فعلى الاقل هو لم يتخذ موقفاً عدائياً من الغناء بشكل عام كما فعلت احزاب الاسلام السياسي حيث لاحظنا انحسار الأغنية في عهدهم ، والى ابتعاد وانزواء كثير من نجوم الاغنية عن المشهد الاعلامي ، كان من المفروض ان تجري حياة الناس والفعاليات الاجتماعية والثقافية بشكل تلقائي دون تدخل سلبي وان لم يكن ظاهري كما فعل ضياء الحق في باكستان حين اسس لجان الامر بالمعروف التي ضمت الالاف من الشبان العاطلين عن العمل ومنحتهم الرواتب المغرية وتأسيس التنظيم السياسي الذي سمي بالجماعة الاسلامية وكما فعل الاخوان المسلمون في بعض البلدان العربية ورجال الدين في ايران في السنوات الاولى من سيطرتهم على مقاليد السلطة حيث تم اتلاف كثير من الكاسيتات الموسيقية الغنائية او الموسيقية بشكل عام ، فرغم ان التلفزيون العراقي يعرض الاغاني العراقية على شاشته ولكن المساحة القليلة لحجم البث قياساً لساعات البث التلفزيوني تعبر عن عدم الجدية والصدق في هذا الجانب ، هذا الحجم القليل من البث يتجنب التحريم العلني للغناء ولكنه يعكس عدم صدقية التعامل مع الغناء واهله ، حيث لا نجد رعاية حكومية للغناء والموسيقى فوزارة الثقافة لم تعطي اهتماماً منهجياً للغناء ورواده ، في الواقع كانت هناك بعض النشاطات ومهرجانات التكريم والدعم المالي لبعض المطربين ، لكن كثير من المطربين والملحنين وشعراء الاغنية كان حظهم ادنى من حظ عبد الصاحب شراد مع البكر ، ان الحياة الديمقراطية تقتضي احترام الحرية الشخصية للفرد سواء في ذهابه الى اماكن العبادة او الى اماكن الترفيه كما يحصل في الدول المتحضرة المتقدمة ، فلم تكن تجارب الانغلاق التي مارستها النظم الشمولية الاستبدادية في شرق اوربا واسيا التي يسميها المؤرخون بالدول الاشتراكية قد افضت الى رفاه وتقدم المجتمع بل اوصل التشدد والانغلاق الايدلوجي الى خراب تلك التجارب السياسية التي استندت على مدارس اقتصادية مهمة استفادت منها النظم الديمقراطية في تأسيس نماذج حكم متقدمة اقتصادياً وانسانياً ، فالغناء هو احد مظاهر التطور السياسي والثقافي للبلدان ، فالرحيل القسري لعبد الصاحب شراد لم يكن رحيلاً لفرد سيء الحظ بل كان مؤشراً لحكم سيؤدي الى سلسلة انهيارات وبداية ليل طويل ، اسْسَ لسلطة سياسية دموية ومجتمع شاع فيه النفاق والخوف وغاب فيه الابداع الثقافي الحقيقي والغنائي حيث شهدنا هجرة مطربين وملحنين مهمين وشعراء وادباء كبار ، وتم عسكرة الغناء فظهر كثير من المطربين بملابس العسكر وبرتب متفاوتة ليغنوا للحرب التي استهلكت حياة عشرات الالاف من شبابنا وضياع الجزء الاعظم من خيرات البلاد واعدام بعض الفنانين واعتزال وضياع اخرين.   

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان