ثقافية

بنت الأهوار والقصب والحضارة..

كانت نهاية مدينة اور تمثل واحدة من تراجيدايات نهاية المدن فبعد ان أُحرقت اور وفق الحادثة التاريخية أدناه لم تقم للمدينة قائمة ومعها ذاب واندثر واحد من اعرق الشعوب الحضارية وهو الشعب السومري. إن سقوط أور الثالثة هو حدث في تاريخ بلاد مابين النهرين يمكن ان يتابع بتفصيل اكبر من بقية المراحل من ذلك التاريخ، والفضل للمصادر مثل المراسلات الملكية، فالمرثيتان عن دمار أور وسومر، والارشيفمن اسين الذي يصور كيف ان إشبي-ايرا، كمغتصب وكملك أسين، قضى على مليكه في اور. ان ابي-سن كان قد شن حربا على عيلام حين تقدم المنافس الطوح بشخص اشبي-ايرا من دولة ماري، من المحتمل كان جنرالا او موظفا كبيرا. من خلال التركيز على الخطر العظيم الآتي من العموريين، عمل اشبي-ايرا على اجبار الملك على ان يعهد له بحماية المدن المجاورة لإسن ونيبور. وقد جاء طلب اشبي – ايرا أقرب ما يكون إلى الابتزاز، وبينت مراسلاته مهارته في التعامل مع العموريين ومع الأفراد من الإنسي، حتى إن بعضهم التحق به وصار الى جانبه. واستغل اشبي – ايرا أيضا الاكتئاب الذي كان يعاني منه الملك بسبب إن الاله انليل ” كرهه”، تعبير قد يراد به الفال السيئ نتيجة الاختبار من القرابين ، والتي استند اليها الكثير من الحكام في القيام باعمالهم( او تجنب القيام بتلك الاعمال حسب الحالة). قام اشبي – ايرا بتحصين إسين و في السنة العاشرة من حكم إبي – سن، بدا باستخدام معادلته الخاصة بالتقويم في المعاملات، وتصرف بشكل يماثل التخلي عن الإخلاص. وظن اشبي – ايرا بانه الشخص المفضل لدى الاله انليل، وزاد هذا الاعتقاد من خلال حكمه لنيبور، حيث معبد الاله. وأخيرا اعلن نفسه السيد المطلق على كل جنوب بلاد مابين النهرين، وبضمنها اور..وحيث قوى اشبي – ايرا عن قصد ممتلكاته ، استمر أبي – سن بالحكم على ارض استمرت تتقلص لأربعة عشر عاما أخرى. ولقد جاءت نهاية اور نتيجة سلسلة من المحن: تفشي المجاعة، وان أور حوصرت واحتلت ودمرت من قبل العيلاميين الغزاة وحلفائهم من القبائل الايرانية. ولقد اقتيد ابي – سن أسيراً ولم يسمع عنه بعد ذلك وفي روايات أخرى قيل انه انتحر. وتسجل المراثي بأسلوب حزين النهاية المؤلمة لأور، والكارثة التي حلت بسبب حنق وغضب الإله انليل..    اليوم أور ترنو إلى من يلتفت أليها بعد كل هذا الأهمال المتعمد وهي تنتظر يداً خيرة لتقيم على ترابها المقدس أحتفاءً حضارياً كل عام ، يستعيد فيه المحتفون تلك القيم العظيمة التي منحت البشرية أضاءات النور الأول الى مدرك الوعي وكانت سباقة في كل شيء ، وهذا يتطلب جهداً عالمياً خاصاً تشارك فيه كل المنظمات الوطنية والدولية ، وأهمها وزارة الثقافة العراقية ومنظمة اليونسكو التي تعنى بتراث الشعوب والحفاظ عليه ، وسيكون على علماء الأثار والمعرفيات الفكرية الأخرى أن يأتوا الى هنا من شتى أنحاء العالم ، لتقيم لهم أور كرنفالاً للثقافة والفن وكل الأبداعات الأنسانية التي تسهم في أرساء السلام والعدل بين شعوب الأرض كافة مادامت هي البدء . وأن يعتنى بالمكان جيداً أذ لا تحوي المدينة اليوم أي مرفق سياحي . ورغم أنها أستقبلت منذ بدء الألفية الثالثة وحتى أطلاق صافرة الحرب الأخيرة آلاف الحجيج الأوربيين ، الذين فرض عليهم أن تكون زيارتهم لأور يوماً واحداً لعدم وجود أماكن مبيت لائقة ومرافق خدمية . لهذا فيمكن للمكان أن يكون منطقة أستثمار جيدة تعود بالفائدة إلى أقتصاد البلد والمدينة الشيء الكثير…فحتماً هذه الأرض تستحق لتكون ملتقى لثقافات الأرض كلها..   وعليه فأن مدينة مثل مدينة اور حملت عراقة المكان والأثر ، وذكرت على أنها مهدا للكثير من النبؤات والملاحم فأن احياءها يتطلب جهداً اممياً فعالاً ، وثمة افكار كثيرة لدى ابنائها من ساكنيها أو الذين اغتربوا بفعل قسوة السياسة والقهر ولكن لديهم أفكاراً محددة لتطوير واقع المدينة وتخليصها مما يحيط بها ، ويذكر أن مدينة اور كانت اول مدينة تشغل بال منظمة كتاب بلا حدود في مشروعها العالمي المعنون ( الحفاظ على المدن الأثرية ) ، حيث صُنفت كمدينة معرضة الى التدمير وتلف أثارها ، وكان لصاحب المقال نداءً في هذا الأتجاه عُد كأول نداء ملبياً لمنطوق بيان المنظمة وحملتها وكان بعنوان (أور دمعة بمعطف جندي).   يعرف الزمن جيدا أن أور هي مشكاة الحرف الذي يفكر بقلبه . مدينة تتسور بالرؤى الخضر فتعطي للمكان شيئا من رعشة ذاكرة التلقي من أن الصوت والنغم المتشكل في القيثارة السومرية فيوحي لنا بأن السامع والمسموع واقعان تحت تأثير ميتافيزيقيا التخيل وفي قلب مجرة أتت بأولئك الأقوام من بعيد لامنظور كي يسكنوا الجنوب العراقي ويصنعوا الحلم بحداثة اجمل ألف مرة مما تصنعه الأغاني المضغوطة بنقاوة لا تضاهى في قرص ليزري . كان أور معطفا لزمن سرمدي . مدينة تتشكل في بيئتها كل أشكال الحياة . الشعر الطاغوت العبادة الطينية قصائد الحب مراسيم دفن الأحياء وقراءة ضوء النجوم بأرقام العد العشري ولهذا فهي في منظور الحلم مدينة قائمة ودائمة أو هكذا يحسها ذهني وأنا أقيم كوخي على بعد فراسخ قليلة من تلالها الملتحية بالصمت وهدير الطائرات وكشوفات المقاولين وهم يتحدثون بسرية مبعثرة عن مكان لمدارج الطائرات وفنادق فارهة وشوارع تستقبل بأكثر من ممر ضيوف الحاضرة الفاتيكانية وحجاج قد يأتون من بروكسل ليزوروا بيت النبي إبراهيم ع اعتمادا على ما نطقته التوراة ببعثنه من اور الكلدان .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان