نعيم عبد مهلهل
الجزء الثاني
…لحظتها تذكرت ما أخبرتني به الروائية المبدعة لطفية الدليمي وهي تستضيفني في كازينو في الشميساني بعمان من إنها تهيئ للعدد الرابع من مجلتها (( هلا )) ملفا حول الأمكنة المعاندة التي يولد فيها هاجس العنف والشهادة والمقاومة ( الزنازين، ربيئة الحرب ، المنفى ، الصحراء ، الفنادق الرثة ، ليالي الجوع الباردة ، غرف التحقيق ، أرصفة الثمالة ، الحدائق الخاوية ..سرير الوصال بين البشر وغيرها ) في تلك اللحظة وأنا أقف أمام سجادة تلطخت بأحمر غامق تخيلته في البدء بقايا دم اغتيال وما أكثر ما اغتيل من سلاطين أل عثمان فوق سُجادهم الوثير وليمة يقدم له الطعام أو الشراب المسموم. قلت وأنا أتخيل سيناريو الحدث المقام فوق السجادة المصبوغة بدم الشهوة والخوف والسلطة والاغتيال : إنني وجدت موضوعتي لهذا الملف ، حيث علي أن اجعل من هذه السجادة مكانا للعناد القائم بين القاتل والقتيل ، بين الشهوة ودافعها العنيف ،بين الشذوذ ومتعته الآتية من هاجس الهيمنة والتفوق والعقد الروحية والنفسية ، وحتما سأتخيل شكل الخنجر أو السيف أو الانكشاري أو الجارية أو النديم الذي كُلفَ بقتل السلطان ، وارتسم المشهد أمامي كاملا ومنها ما تخيلته في لحظة المؤانسة السلطانية التي تتم بين السلطان الملتحي وجاريته الشركسية أو الرومية أو الارمنية أو العربية الناعمة ، وافترضت ذلك الإرغام الذي يصيب الشفتين في فصل التقبيل العنيد والقاسي بين الملك ومملوكته ومدى إحساس الألم والخنوع الذي يصيب فم الأنثى فيما السلطان على السجادة يمد ذكورته التعبى بشيء من الفجور والعناد ليثبت سلطانيته فتصير تلك القبلات طقسا من طقوس المبارزة واثبات سطوته الشاذة ، وربما يصير الأحمر الشفاه التي تضعه الأنثى الشركسية مجرد الهام لإثارة السلطان الذي عاد للتو جزعا ومليئا بالشهوة المتخيلة بعد فصلٍ دموي في معاركه التقليدية مع بلاد فارس او جيش النمسا الرومية .لهذا تحولت السجادة إلى مكان لحدث تاريخي للحظة شهوة السلطان ولفصل من فصول سعادته التي يفترضها لاتتم إلا مع مايثيره احمرار الشفاه والجسد الناعم كزجاج كاس الخمر. الدليلة الجميلة خلقت مفاجأتها حين ذكرت لي إن البقع الحمراء على السجادة التي اشتغلت بحرفية وزخرفة ونقوش عالية التقنية والجمال ويسجل على مكان صنعها إنها صنعت في أصفهان بتاريخ 1405م وقدمت من الشاه الصفوي هدية إلى السلطان محمد الفاتح بمناسبة إعادته الشرق المسيحي إلى الحاضرة الإسلامية ليست لبقع دم أنما هي بقايا أحمر شفاه . وقالت : كنا نعتقد انه آثار دم لليلة عرس أو جريمة اغتيال لكن التحليل الكيماوي اثبت إن تلك البقع الغامقة إنما هي شيء من مكونات زينة المرأة ، وانه على الأكثر كان من تكوينات أحمر الشفاه المصنوع في ذلك الوقت ، فربطت ذلكَ بما كان يحدث في ذلك الزمان حيث لكافافيس قصائد كثيرة تتمنى عودة البهجة القسطنطينية التي سلبها صاحب السجادة في حصار دام وطويل ، ولهذا تخيلت معاكسا ومفترضا لما تمنحه الحسية الذكورية لقصائد كافافيس إن الأحمر الشفاه قد لايكون مثبتا على شفتي أنثى ..ربما ذكر ! انقلبت صورة التخيل وتحولت موضوعة الدم والاغتيال أو غشاء بكارة العرس إلى فصل من تقبيل غير منظم كان على الشفتين فيها أن تلامس أرضية السجادة.فأي تقبيل عنيف هذا كان السلطان يفعله مع خليلته أو واحدة من زوجاته الكثر وحتما كان هناك عناد وإن المرأة كانت مقلوبة على بطنها بحيث يلامس فمها جسد السجادة .





