ثقافية

بنت الأهوار والقصب والحضارة..

( الجزء الأخير)

أفكر بوضع المدينة الأثرية فأجد نفسي كمن لاحول ولا قوة لديه إزاء الرغبة بالتعامل مع المكان .فهاجس كهذا قد يختلف هنا بحكم ضرورات عهود الطواغيت التي ظلت أور تعاني من مشقة ضيق بدلات حروبهم حد الذي صنعت لشبابها ذاكرة منافٍ متعددة وقطارات سافروا بها وهم يبصقون الخجل قصائد وأمنية للعودة ثانية وارتداء معاطف الحلم المصنوعة بمهارة خياطي أزمنتها دانجو أدامو ، الملك الموسيقار شولكي ، رشيد مجيد ، عبد القادر الناصري ، قيس لفته مراد ، داخل حسن ، حضيري أبو عزيز ..فائق حسين ، صلاح نيازي ، كاظم جهاد ، عقيل علي ، فاطمة المحسن ، بلقيس نعمة العزيز ، جميل حيدر .. هم كثر لا تسعهم أكبر سلال الفاكهة ورغم هذا فالأحياء والأموات منهم يتطلعون حد هذه اللحظة لخلق مودة الرؤى الجديدة لمدينة تربوا بها وعاشوا على تربتها وشربوا الشاي في حاناتها وصلوا في معابدها.

مدينة تقف عند ذاكرة الفعل الشعري لتصنع خيالها بتورية التأليف وحسن الخاطرة وجزالة الحكمة.

عاشت أور عهود الأزل بذاكرة عاطفية وبنت رؤى التفكير الأول بمشاعر تختلط فيها الكثير من حداثة تفكير اليوم الشعرية والعسكرة وسن القانون وشق ترع الري وبناء القصور والمعابد وتزين أعناق الأميرات بالحلي المحفورة بدقة وجمال من أثمن الأحجار الكريمة فيما بقي هاجس الحرب وروح السلطة قمة الهرم في تفكير مدينة أرادت أن تصل بخيالها إلى كل الدنيا وتؤلف عهدا حداثويا للشعر والهندسة والموسيقى وما يخلفه الطين لحظة تألف مع ذاكرة العاشق. المدينة اليوم هي أطلال أمس ذهب بعيداً . لم تعد سوى تلال تتبعثر فيها خطوات أغنام الرعاة وجزمات جنود متعددي الجنسيات فيما أفرغت يد السراق ورجالات التنقيب الأثري أقبية المقبرة من كنوزها التي عدت يوم كشف عنها أول مرة مطلع عشرينيات القرن الماضي من قبل ليوناردو وولي واحدة من أجمل الكنوز الإنسانية وأقدمها صناعة وإبداعا ومنها قيثارة أور وراياتها والخوذ الملكية وصناديق الموسيقى والرفات المنتظم لضحايا طقوس الموت السومري حيث كان الملك في رحلة الموت يجلب معه كل حاشيته لتؤنسه في ظلمة العالم الآخر وكان الجميع يجلبون معهم ما على ثمنه وخف وزنه وتلك الحاجات الخاصة العائدة لأجدادنا من سكنة المدينة هي اليوم ملكا لمتاحف الغرب فيما المكان الأثري لا يحوي سوى على طلل البيوت الغابرة وأسس المدينة القديمة وأقبية صارت ملاذا للهواء الرطب وجحورا لبنات آوى! حال بائس لمدينة كانت في يوم ما تقطر شعرا وفنا وأساطير . مدينة لم يبق منها سوى ذاكرة التراب وبيتا سوروه وبنوه دون دراية وعجالة وأفترض أن في واحد من غرفه ولد النبي إبراهيم الخليل ع حيث يعتقد بما شاء الله أنه ولد هنا وفي الوهاد الفسيحة للمدينة العظمية حيث كان والده النجار يسكن فيها بدأت تباشير النبوة تسقط أشواق التوحيد ومتهدجات الروح في رغبة فصل الكون عن دمى الطين وإرجاعه إلى ملك التوحيد الأزلي وروح العقل الإله الواحد . غير أن المكان لم يستغل جيدا في جعله أصرة سلام لنبي كان همه أن يشعل شمعة السلام عبر رحلة أخذت من أحلامه أن صنع بها رؤى التأسيس لوحدانية الملة والدين . الكثير أرادوا أن يحققوا شيئا من المكان .أن يجعلوا مكان المهد ورابية التصور الأولى التي انتبه فيها النبي إلى سر الخليقة مكانا للتسامح والحوار الحضاري ونبذ الإرهاب والعنف وحتى البابا الراحل في مطلع الألفية الثالثة أراد من هكذا مكان نقطة بدء رحلة إيمانية تبدا من اور وتنتهي بأورشليم القدس لتكون رسالة معبرة عن روح اللقاء الوحداني والحضاري بين شعوب وملل الأرض كلها ولكن في كل مرة السياسة تفسد أحلام القديسين وترمي الأمر في الزاوية الضيقة فلا يتحقق وبذلك فقدت اور بفضل التسيس وجرَ الأمر إلى ساحة الأعلام وتصفية الحسابات يوما مشهودا يعيد الانتباه إلى هذه المدينة كي تفكر المؤسسات الأممية ومنها اليونسكو بتحصين المكان وأعادت مشاريع التنقيب فيه وتحويله إلى معلماً أثريا يخضع للحماية الدولية كونه إرثا إنسانيا ومكاناً ولدت فيه ذاكرة اكثر من نبي نوح وإبراهيم وأيوب وحتى لوط القريب إلى إبراهيم كانت اور ساحة لبعض رؤاه الوحدانية. أن هذا الأمر يتطلب جهدا خاصا وتأسيس منظمة مجتمع مدني تعنى بالمكان وذاكرته ، وأن يتم الاتصال بالمنظمة العالمية ( اليونسكو ) ، كي يُلفت انتباهها إلى أن أور التي كانت في يوم ما حاضرة الدنيا وصناعة شجنها المعطر بالشعر والموسيقى ، هي اليوم مربضٌ للطائرات والنسيان وأحلام المقاولين بتأسيس مشاريع وهم سريعة من نقود الدول المانحة ولم يكن بين كل هذه المشاريع مشروعاً يحمي الأثر ويفتش عن حياة مطورة بين تلال الرمل لم تصل أليها بعد يد المنقب والعابثين ، دعوة ترسم رغبة تكوين أثر طيب يسعد ذاكرة الأجيال السومرية التي لازالت تئن من وجع الماضي وتستظل أملاً بالجديد الذي لم يكشف عن عبق حدائقه بعد وقد يتحقق ذلك بدستور فيه فقرات تؤشر إلى رغبة صارمة وحقيقة بحفظ التراث والتنقيب عنه ومعاقبة العابثين وسراق التلول والطلل من خلال تأسيس جهاز مؤسساتي صارم وعلمي يعني بهكذا أمكنة ، لأن العبث قد يخلف ما ترك إلينا لنحافظ عليه يخلفه رماد يذري في رياح النسيان والانقراض وقديما قالوا : الشعوب التي لا تمتلك ذاكرة هي شعوب ميتة.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان