علي علي
من يتابع تصريحات ساسة العراق ومسؤوليه تغريه للوهلة الأولى المصطلحات الشفافة والكلمات الرقيقة التي يتفوهون بها، حتى يكاد يرى البهرج الفتان والضياء الساطع والأمل البراق بين أسطر تلك التصريحات الرنانة في مفرداتها والطنانة في مواعيدها، إذ هو سرعان مايكتشف انها كلام لغرض الدعاية الانتخابية ليس إلا. هذا قطعا في حال قرب موعد الانتخابات، اما في حال بعدها فالكلام يكون لإسقاط فرض او شطب يوم من أيام دوامهم الرسمي. ومن تطلع للتصريحات الرسمية التي تصدر من مؤسسات ووزارات الدولة لاسيما الخدمية منها تلوح له بشائر الأمل في الأفق القريب، ويرى ان الفرج أدنى من قاب قوسين للعراقيين، الذين طال انتظارهم له، ولطالما رددوا بحسرة ممزوجة بأمل وألم، بيتي شعر للإمام علي (ع):
إذَا النَّائبـات بَلَغْنَ المَدَى
وكـادت تذوب لهـنَّ المهجْ
و حلَّ البلاء وبان العزاء
فعند التناهي يكونُ الفرجْ
ذاك ان الخلافات والإختلافات التي يختلقها ويتبادلها ساستنا بتفنن متقن، أضحت منذ اعتلوا سدة الحكم، ككرة التنس او الركبي اوالمنضدة، يلهون بها ويتمتعون بمزاولتها وقضاء أوقاتهم معها في ملاعب شتى، فتارة في الملعب المسقف المدفأ شتاءً والمبرد صيفًا، وبأحدث وسائل الترفيه الذي يسمى ملعب (قبة البرلمان). وتارة أخرى يحلو لهم ان يستجمموا بنسائم شمال العراق، فيتجشمون عناء السفر بحجة اجتماع هناك، او محافظة من محافظات الوسط والجنوب كما سبق ان حدث. أو قد يحلو لبعضهم زيارة دولة من دول الجوار او حتى عبر البحار، لتكون محطة يقيمون فيها لأسباب وتعليلات بقوالب جاهزة مسبقا منها؛ رأب صدع او رتق جرح او لم شمل او شد أزر او توحيد رؤى اوتقريب وجهات نظر اوتخاطب فِكـَر اوتلاقح أفكار اوتناكح همم او تزاوج نوايا والناتج؛ طلاق في طلاق في طلاق. وعندما تنتفي حاجتهم -الخاصة والأنانية طبعا- وتمتلئ رئاتهم من هواء شمال الوطن، او وسطه او جنوبه، يشدّون الرحال الى محافظة مقدسة كتغيير جو لاأكثر، يزعمون ان الحل يكمن تحت قبب الأولياء وبمباركتهم، وهم (سلام الله عليهم) كذلك قطعا، لكن فات ساستنا ان (الأعمال بالنيات وان لكل امرئ مانوى) ونيتهم بعيدة عن العراق بُعد زحل عن المشتري. وبذا يبتكرون أسبابا جديدة ومحافظة أخرى، لاشرقية ولاغربية ليمارسوا لعبة الضحك على الذقون للمرة الألف. وهم قطعا لاينسون ان أي اجتماع فيه مناقشة قرارات وقوانين تعود بالنفع للمواطن العراقي وبالفائدة لشرائحه الـ (تعبانة) هو اجتماع موءود قبل ولادته وليس بعدها، وهذا ديدنهم من سنين. فهل هم مصرون ان يقحموا العراقيين في زاوية اليأس من كل مامن شأنه تحقيق أول حقوقهم في العيش في بلدهم، وما أولها إلا الأمن والأمان.
أعضاء برلماننا يجتمعون هذه الأيام ليس لقراءة مشروع قانون او إقرار قانون، بل هم على ما يبدو لتمشية عقارب الساعة باي اتجاه كان، واختيارهم سيكون حتما عكس اتجاه رغبات العراقيين، بل وعكس مقاييس الشدة والفرج المعهودة.





