علي علي
علمنا التاريخ من خلال أحداثه التي خبرناها أن دوام الحال من المحال، وبتنا على يقين أن عقارب الساعة تدور حول نفسها برتابة على الحائط فقط، أما على أرض الواقع فتختلف الساعات عن بعضها تماما. وقد يتشابه لونها في الموضعين، فقد تكون على الحائط ساعة بيضاء وأخرى سوداء، كذلك في الواقع فهناك ساعة بيضاء وهناك (ساعة السودة). لكن يبدو ان أغلب ساستنا لاسيما أعضاء مجلس نوابنا -وعلى رأسهم رئيسهم قطعا- لم يعوا هذا الأمر، فنراهم يستخدمون أنواع الخيوط والـ (خامات) ذاتها ليحوكوا بها نسيجهم الثابت على مقاسهم منذ تسنمهم مناصبهم، واعتلائهم كراسيهم المحصنة. وقد يكونون غافلين عن معرفة القاصي والداني بخفايا زيهم الذي فصلوه ولبسوه وصار عليهم (غسل ولبس). حيث لم يعد يخفى على الجميع، وعلى وجه الخصوص المواطن العراقي، الأسرار الكامنة خلف إرجاء تصويت او تأجيل إقرار او إعادة قراءة, فهم على مايبدو يكرهون الطهي السريع ويستهوون الطبخ (عالريحة) مع سماعهم بملء آذانهم تصاعد صيحات ملايين العراقيين الذين يندر أن تجتمع لديهم في يوم واحد ثلاثة طبخات أساسية هي: (الريوگ والغدا والعشا). إذ من المؤكد أن القابعين على كراسيهم لم تفتهم قراءة التحليلات والدراسات العالمية المهتمة بالشأن العراقي، التي خرجت بإحصاء نسبة عالية جدا من العراقيين الذين يرزحون تحت خط الفقر، وهم في بلد يطفو على بحر من النفط. وقد شبه شاعر هذا الحال بإنشاده:
كالعيس في البيداء يقتلها الظما
والماء فوق ظهورها محمول
وبتعامل ساستنا هذا مع مامناط بهم من مسؤوليات والتزامات تجاه شعبهم، يخالون ان بالإمكان دوام الحال، وبإمكانهم الاستمرار بالتلاعب بالقوانين والقرارات التي تصل الى طاولات المناقشة تحت قبتهم، بل ويعدو هذا الى تأجيل أي موعد يحلو لهم رسميا كان اوقانونيا نص عليه الدستور، كما هو حاصل في تعاملهم مع فقرات قانون الانتخابات، الذي استعصى عليهم حله، او بالأحرى هم لايريدون حله إلا بمقاس يتفقون عليه بعيدا عن مقاسات المهنية والوطنية والإنسانية.
قد يكون ساستنا مولعون بالعبارات التي ألفنا سماعها في حياتنا، عند تقليبنا صفحات التاريخ، عبارات حكمت عليها صروف الدهر ان تكون صورة لحقبة معينة من الزمن، تنقل فيها دقائق الصورة بمفردات بسيطة من باب أن خير الكلام ماقل ودل ولم يمل. من تلك العبارات: البقاء للأقوى.. البقاء للأصلح.. البقاء للأفضل، وكلها عبارات تتردد على ألسن الناس، وهم موقنون ان البقاء أولا وأخيرا لله جل وعلا، وما ترديدهم تلك العبارات إلا تحصيل حاصل ما تملي عليهم أحداث ووقائع مرت خلال عصور تتالت على دول دالت وأخرى استمرت منذ نشء الخليقة الى يومنا هذا. والتاريخ ليس بغافل عن تلكم الأحداث، فهو يحدثنا أحيانا بصراحة شديدة، ويكشف لنا بكل أمانة صورا من ذاكرة وحقائق درست واختفت وتلاشت بعدما كانت قائمة حقبة من الزمن.
ولكون ساستنا يظنون ان الساعات بيضاء فقط، تكون العبارة المفضلة لديهم اليوم في الساحة العراقية هي البقاء للمصلحة الشخصية والفئوية والحزبية والجيبية، أما ما يتعلق بالمواطن فهو آخر مايفكرون به.





