ملف خاص

الهروب إلى الحرية .. أوراق من أيام المحنة في سجون صدام

بقلم – الدكتور حسين الشهرستاني

 

أنا عدنان سلمان. وأنا المسؤول الأول بالدعوة. وأنا المسؤول عن كل الخطوط, وهذا آخر كلام تسمعونه مني, وجربوا ما بدا لكم من أساليب, فلن انطق بكلمة واحدة ضد أحد.

فقال المحقق: سأجعلك تتمنى الموت.

وفعلا استخدموا معه أساليب رهيبة في التعذيب, لكنه صمد صمودا أسطوريا, ولما اشرف على الموت احضروا له ثلاثة أطباء لعلاجه لكي يبقى على قيد الحياة لينتزع منه الاعتراف, وقال لهم المحقق:

إذا مات عدنان فسوف نعدمكم.

وكان عدنان عند وعده, شان الصادقين, ولم يتكلم بكلمة واحدة إطلاقا, وحينما اقتادوه إلى المحكمة كان عدنان في الرمق الأخير وفي سويعات الخلاص, لقد سطر درسا بدأه, ياسر, و ميثم, ورشيد وقد صافحت كفه أكفهم, وسيبقى رمزا للبطولة تذكره الأجيال.

    الشيخ حسين معن ..

ويعتبر الشيخ حسين معن ظاهرة فريدة في الحالة الإسلامية من ناحية علمه وتقواه, ومن ناحية شجاعته وقدراته التنظيمية, وكان ظاهرة فريدة أيضا من حيث الاعتقال وسير التحقيق معه, حيث كان مطلوبا للسلطة منذ عام1974م, ولكنها لم تعثر عليه رغم كل المحاولات, وكان رحمه الله أحد القياديين البارزين في حزب الدعوة, ولما علم بان قيادات الحزب إما غادرت العراق أو اعتقلت من قبل السلطة الصدامية – وكان الحزب يعاني من غياب عناصر قيادية مسؤولة وفعالة – فانه تقدم وتحمل المسؤولية.

وقد حاول الشيخ احتواء عبد الأمير المنصوري, لأنه إذا تم اعتقاله والحديث قبل الاعتقال سيكون كارثة على الحزب لمعلوماته الكثيرة عن تشكيلات الحزب وخطوطه, ولاجتهاداته الخاصة به.

قصة الاعتقال

إن من جملة الخطوط التي لم تكن مكشوفة بعد, هو خط ((الكوفة والنجف)) وكان مسؤول النجف في نهاية 1979م هو عبد السادة الكعبي*( وهو معلم من (( ميسان)) وكان يدرس في (( الكوفة)).), وقد كلف الشيخ حسين معن أن يستلم هذا الخط منه, فكانت طريقة اعتقاله كما رواها لي كالتالي:

قال: إني لم أكن اعرف عبد السادة الكعبي, ولم التق به قبل ذلك الوقت, وقد أعطيت شفرة بان اذهب في يوم معين وفي ساعة معينه إلى موقف سيارات نقل الركاب بين الكوفة والنجف, وسوف أجد هناك شخصا تحت المظلة يلبس نظارة سوداء ويحمل في يده اليمنى كيس نايلون احمر, واسأله: هل هذه السيارة تذهب إلى الكوفة؟ فيكون الجواب لا, في حين أنها تذهب إلى الكوفة.

ذهبت على دراجة ووصلت الموقف في الموعد المحدد, ورأيت شخصا يلبس نظارة سوداء, وبيده كيس نايلون احمر, وسألته خط السيارة فأجابني بالجواب الخطأ, فعلمت بأنه الشخص المطلوب فتعانقنا, و أخذنا نسير باتجاه النجف ودراجتي بيدي وكنا نتحدث عن الحركة الإسلامية وعن الاعتقالات, حتى وصلنا (( ساحة الميدان)) التي تقع قبل سوق النجف الكبير. إلا أنني فوجئت بان الوضع غير عادي, وأحسست بان المكان مطوق, وفعلا اعتقلوني وأنا أصيح بان هؤلاء حرامية.

لقد ظهر لي بعدئذ أن عبد السادة الكعبي كان قد اعتقل خلال اليومين, بين الاتفاق معه على الشفرة وبين موعد الاتصال به, ووجدوا الشفرة عنده, لذا أرسلوا شخصا تقمص شخصية الكعبي, وهكذا وقعت في الفخ واعتقلوني, وأخذوني إلى دائرة أمن النجف, إلا إنني كنت احمل بطاقة شخصية باسم (فاروق عبد الله الدليمي) المهنة: معلم في البصرة.

 

سألني المحقق, ما اسمك؟ ومن أي منطقة؟ و ماهي مهنتك  , وما هو تنظيمك؟

قلت له:

أنا(فاروق عبد الله الدليمي) معلم في محافظة البصرة, وأنا سني جئت في إجازة من البصرة إلى بغداد, وكان معي في القطار رجل يبدو عليه إنه إنسان طيب, واخذ يحدثني في أمور كثيرة, وحدثني عن فضائل علي بن أبى طالب عليه السلام وحثني أن أزوره واطلب حاجتي, والواقع أنا لم أكن مقتنعا بمثل هذه الأمور, فقلت للرجل, أنا لا اعرف أحدا في النجف, كما

 إني لم أزر(( النجف)) سابقا, فقال لي:

لا تقلق أنا سأكتب لك رسالة وأعرفك لأهلي وهم يستضيفونك, واذهب إلى المكان الفلاني ستجد شخصا, فسلم عليه, وقل له:

أنا من طرف فلان. وفعلا جئت في الموعد والمكان المحددين وحدث ما حدث.

الواقع إن رجال الأمن لم تنطل عليهم هذه المسرحية, لأنهم كانوا قد اكتشفوا الشفرة والتفاصيل المتعلقة بها من خلال اعتقال الكعبي, وكانوا مقتنعين بان الشخص المعتقل مرتبط بالتنظيم, إلا إنهم لم يكونوا يعرفون*(لان عبد السادة الكعبي لم يذكر في اعترافاته اسم الشيخ حسين معن). بأن هذا الشخص هو الصيد الأثمن, لان هويته كانت تعرف بغير شخصه, لقد مارسوا معه أبشع أنواع التعذيب من ضرب بالكيبلات وبالعصي الكهربائية, وبالهراوات والفلقة والصنارة بالسقف, وكانوا يأخذون المردان الأحمر- وهي حشرة تتواجد في المناطق الرطبة, والمرافق الصحية – ويضعونها في فمه, حتى أن المحقق اخذ يتقيا, ولكن الشيخ حسين معن كان يقول:

احتسب ذلك عند الله.

كان الشيخ رحمه الله ظاهرة فريدة في انتحال الشخصية, وظاهرة فريدة في صموده البطولي.

~ البرزخ ~

لما يئس الجلادون من انتزاع أي اعتراف منه، وفشلت آلاتهم الإرهابية أمام عظمة الصمود وسمو الروح وعزة النفس وأمانة الطريق، لذلك رموه في غرفة صغيرة مظلمة حالكة وهو فاقد الوعي – وكان ذلك ليلا – وفجأة دخل عليه رجلان يرتديان ملابس سوداء، وأقنعة تغطي الوجه، ولا يبدو منهما إلا اعين تلمع، وكان أحدهما يحمل سيفا والآخر يحمل حربة، فصاح الأول أنا منكر … وصاح الآخر أنا نكير ، وهما يمثلان حالة استجواب الميت في قبره ، وكانا بذلك يوحيان للمعتقل بأنه ميت ويواجه الملكين    في عالم البرزخ!.

يقول الشيخ حسين معن

مارست اللعبة معهما، فجلست في زاوية الغرفة، وأخذت أصيح:

أماه أنا في القبر … لقد حل يوم القيامة … لقد جاءني منكر ونكير … سأتكلم الحقيقة … إن رب العالمين لا تخفى عليه خافية.

فسأله منكر ونكير!! عن اسمه، وشغله، وتنظيمه … نفس أسئلة التحقيق، فأجابهم بمثل ما أجاب به المحققين, فيئس منكر ونكير منه وتركاه ولم يضرباه.

وعندما يئس(أمن النجف) من انتزاع أي اعتراف منه، نقلوه إلى (مديرية أمن بغداد) وقام بالتحقيق معه فاضل الزرقاني، ولا يعني التحقيق بالطبع غير الضرب بالكيبلات الكهربائية، وبالعصي الغليظة، والصعق بالكهرباء، والكي بالكاوية الكهربائية والحرق بالتيزاب، والفلقة، والتعليق بالصنارة.

كرسي الاعتراف

وهو عبارة عن كرسي بسيط من صنع محلي، يجلس المعتقل عليه ويربطون على عنقه وعلى معصميه وعلى رجليه أطواقا حديدية، وأمامه أضواء ساطعة متعددة الألوان، ومكبرات صوت متعددة وإشارات ضوئية وهاجة، ويجلس المحقق في غرفة أخرى، ويتكلم من خلال سماعة بصوت معدني، يشبه صوت الإنسان الآلي الذي يظهر على شاشات التلفزيون، وعندما لم تنفع مع الشيخ مختلف الأساليب السابقة جاؤوا به إلى هذه الغرفة، وقالوا له:

إن هذا الجهاز احضر من أمريكا ولا يمكن أن تنطلي عليه كذبة، لأنه جهاز إلكتروني، والكومبيوتر يكشف الكذب من الصدق، يقول الشيخ:

لقد ارتبكت وخفت على المؤمنين لا على نفسي، لأنه قد تكون هنالك أساليب الكترونية متطورة تكشف الحقيقة.

جلست على كرسي الاعتراف ووضعوا الأطواق الحديدية وجاءني الصوت المعدني من السماعة, ما اسمك؟

فقلت:

فاروق عبد الله الدليمي.

فأجابني الجهاز: (صح)، واشتعلت الأضواء الخضراء الساطعة.

وهكذا اكتشفت منذ اللحظات الأولى بان هذا الجهاز لا يستطيع أن يكشف شيئا، فتبددت مخاوفي وزالت هواجسي، ثم جاءني الصوت، كم عمرك؟

فقلت:

25سنة.

فأجابني الجهاز (صح) ، واشتعلت الأضواء الخضراء.

ثم جاءني الصوت، هل أنت عضو في حزب الدعوة؟

فقلت:

لا.

فأجابني الجهاز: (كذب)، وبدأت الرجة الكهربائية، واشتعلت الأضواء الحمراء الساطعة وأصوات وضجة متداخلة ومخيفة في نفس الوقت.

 

الواقع إن الشيخ حسين معن كشف هذا النوع من التحقيق وأبطل مفعوله، واثبت بأنه غير فعال وغير مجد في انتزاع الاعترافات من المعتقلين، ولم نسمع بأنه استخدم مع غيره من المؤمنين.

السجن

وعندما لم تنفع أساليب التعذيب المختلفة، والمسرحيات المراوغة في الحصول على معلومات واعترافات من الشيخ معن، أخذوه إلى محكمة صورية حكمت عليه بالسجن المؤبد، فنقلوه إلى سجن أبو غريب، قسم الأحكام الخاصة، باسم(فاروق عبد الله الدليمي).

وكان الشيخ يحذر ويتحاشى أي حديث أو حوار مع السجناء الذين هم إخوته في الدين والعقيدة، كي لا تعرف حقيقة شخصيته وينكشف أمره، وقد يوشي عليه احد المنافقين، أو يعرف من ملفات تحقيق تفتح من جديد.

وكان الشيخ يمثل دورا على السلطة والآن اخذ يمثل دورا على المؤمنين، وذلك بالتظاهر بأنه رجل سني ولا علاقة له بقضية الحركة الإسلامية، وكان السجناء يعرفون الشيخ، ويسمعون عنه خارج السجن، إلا إنهم لم يكونوا يعرفون صورته لأنه كان يعيش متنكرا منذ سنة 1974م.

هفوة وثمن

-: أين الشيخ حسين معن؟.

كان السؤال الأهم الذي يوجه للسيد عبد الرحيم الياسري بعد اعتقاله.

ففي إحدى وجبات التعذيب وبعد فشل محاولتيه الانتحار، قال لهم:

انه عندكم!! وكان الشيخ في سجن أبو غريب، لكنهم لم يهتدوا إلى أن الشيخ حسين معن هو نفسه فاروق عبد الله الدليمي، وفي أحد الأيام احضر المحقق فاضل الزرقاني صورة وسأل الياسري:

هل هذه صورة حسين معن؟!

فقال:

نعم.

وهكذا أدركوا بان فاروق عبد الله الدليمي هو نفسه الشيخ حسين معن فاحضروه من سجن أبو غريب، إلى نفس الزنزانة التي كنت فيها في مديرية أمن بغداد، وإنني لم أكن قد تعرفت عليه من ذي قبل.

حينما رجع الشيخ من سجن أبو غريب رجع باسمه الحقيقي: حسين معن ، لقد كان همه الرئيسي الآن هو أن يطوق الاعترافات ، ولما كان السجناء موزعين في زنزانات متفرقة ومقطوعين عن الاتصال ، لذا كان يستغل فترة الخروج للمرافق ، وفترة الأكل ، للاتصال الخاطف بمن تيسر من السجناء فيحفظ أسماءهم ، وكان يتمتع بحافظة قوية، وفي الليل كان يربط الخطوط ويثبت الأسماء بحيث يكون فلان مسؤول فلان ، ويجعل الأمور تنتهي به ، كي لا يسري لهيب الاعترافات إلى أشخاص خارج السجن ، وبذا يطوق الحريق الذي تشعله الاعترافات العشوائية غير المنسقة ، ويحفظ المؤمنين الذين لم يلق القبض عليهم.

وعند الخروج للمرافق في اليوم التالي كان يوجه  المؤمنين بما  رتبه في الليلة الفائتة.

المطبعة

كان الشيخ حسين معن مسؤولا عن مطبعة سرية في النجف لطبع النشرات السرية، وكان قد وضعها في سرداب استأجره لهذا الغرض، وفي أحد الأيام تعطلت المطبعة، فاستعان بشخص لتصليحها هو ((ف. د))، وكان هذا الشخص مسؤول ورشة فنية، ولما تم اعتقال الشيخ بقيت المطبعة عاطلة ، ولم يلاحظ ((ف. د)) بأن المكان مراقب، كما لم يأت أحد لتفتيشه وهو واثق من صمود حسين معن وانه لن يعترف، لذلك فكر في نفسه:

لم تبق المطبعة عاطلة من دون الاستفادة منها؟! سوف اذهب لتصليحها.

هذا ما كان من ((ف. د))، وأما ما كان من الشيخ فانه بعد أن أعادوه من سجن أبو غريب إلى مديرية أمن بغداد ، اعترف بعض السجناء بان ((حسين معن)) هو مسؤول مطبعة النجف ، فقدر الشيخ:

1.    إبان المطبعة عاطلة ولا تفيد الحزب.

2.    وان مكانها سري وغير معروف.

3.    يوحي لرجال الأمن بأنه متعاون معهم، فيضحي بالمطبعة كي يطمئنوا به، ولا يلحوا عليه ويحفظ أمورا غير مكشوفة.

وبعد اعتراف الشيخ على مكان المطبعة أخذوه إلى النجف ليدلهم على مكانها، وصادف وصوله في الوقت الذي كان ((ف. د)) يقوم بتصليحها فالقي القبض عليه.

كان التحقيق مع (ف. د) اقل قسوة من غيره، ولكن بسبب بدانته فقد انخلع كتفه حينما علق بالصنارة، وكان اعترافه حسب توجيه الشيخ حسين كالتالي:

لقد خدعني هذا الشيخ، وأنا مجرد فني جئت لتصليح المطبعة.

وكان (ف. د) مؤمنا حقا وكانت ثقته بالله عالية ، فمثلا: كان المؤمنون يصلون صلاة الليل ، وكان بعضهم يطلب من الله أن يكون حكمه بالسجن مؤبدا ، لان الحكم الغالب كان الإعدام ، وكان السجن المؤبد يعتبر فرجا ورحمة بينما كان ( ف. د) يقول لهم:

لماذا تطلبوا من الله ذلك …؟ لماذا لا تطلبون الفرج …؟ أنا حتى لو وضعوا الحبل في عنقي، فإنني اعتقد بقدرة الله على تغيير الوضع في آخر لحظة.

كان الشيخ حسين معن يصلي ويدعو في صلاته لعبد السادة الكعبي، وكان الشيخ يعتبر نفسه تلميذا صغيرا له، وكان عبد السادة مثالا للصمود، ولم يعترف على اخوة الطريق، وكان من القياديين المطلعين على تفاصيل واسعة في الحزب.

الدرس

وهكذا تعرفت على الشيخ حسين معن بشخصيته الحقيقية في زنزانة (أمن بغداد) ونشأ بيننا نوع من الألفة حتى صرنا متلازمين نقضي أكثر أوقاتنا إما بالعبادة، و إما بمناقشة شؤون الحركة الإسلامية، وان هذه المحنة كيف جرت…؟ وان أزمة الاعتقالات والانهيارات في صفوف الحركة الإسلامية يجب أن تستفيد منها الأجيال القادمة وان لا تفوتها هذه المحنة دون اخذ العبر، وهل كان من الممكن تلافيها …؟ و كيف يجب على الإخوة الموجودين في خارج العراق، والجيل الإسلامي الذي يأتي بعدنا أن يتعلموا الدروس والعبر من هذه القضية، كي لا تتكرر المأساة. وأذكر أنى قلت له في إحدى المرات:

أنا أستغرب، لماذا لم تهيء قيادة حزب الدعوة كوادرها بالشكل المطلوب، لقد كان واضحا بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران أن حزب البعث العراقي سيشن هجمة شرسة من الاعتقالات في صفوف الإسلاميين، فكان من المفروض أن تعرف الكوادر أساليب الاعتقال… أساليب التحقيق … أساليب التعذيب … كيفية الصمود والتمويه… وتطويق الاعترافات، لا أن تسلسل الاعتقالات دون أية احتياطات في صفوف الحزب.

وضربت     له مثالا على ذلك:

في فترة تحقيقي احضروا غلاما عمره(14) سنة، وكان هذا الغلام مرتبكا جدا وخائفا ويبكي، وقد نال فصلا مشبعا من التعذيب، لان رجال الأمن داهموا بيتهم لإلقاء القبض على أخيه الضابط في الجيش العراقي، ولكنهم لم يجدوه فالقوا القبض على هذا الصغير ليدلهم على مكان أخيه، وليخبرهم بأسماء أصدقاء أخيه، وقد أراد هذا الصغير أن يلعب دورا بطوليا، وان لا يذكر أسماء أصدقاء أخيه، إذ كان فخورا بأخيه ويحبه لأنه أحد ضباط الحركة الإسلامية، ولكنه لم يكن يعرف ماذا سيفعلون به، أو كيف يناور ويراوغ المحقق، وقد كان مرتبكا جدا، فهدأت روعه، وقلت له:

سيأخذونك إلى زنزانة، ويعصبون عينيك، ويشدون يديك إلى الخلف، ويعلقونك في صنارة مثبتة بالسقف، وسوف تشعر بألم رهيب في مفاصل كتفك، حتى تشعر بأنك لن تستطيع تحمله، ثم يستخدمون معك القضبان الكهربائية على المناطق الحساسة من الجسم، وكذلك على الأعضاء التناسلية، وهذه لا تؤذي أكثر مما هي لسعة نحل، ثم تشعر بأنك سوف تنهار ولا يمكن أن تتحمل هذا الألم، فهنا عليك أن تتحمل هذه المرحلة وان تتجاوزها، وبعد ذلك تشعر بخدر في جسمك، ولا يؤثر فيك التعذيب، سوى ألم الكتف، ثم ينزل عرق بارد من جسمك بحيث تشعر بأنك ترتجف.

في هذه الحالة سوف ينزلونك من الصنارة ويتركونك على الأرض لفترة، وتسمى مرحلة نزول العرق البارد عند الأمن بالعلامة ، ثم يستدعونك مرة ثانية ، وبعدها يتركونك ، ويقولون   ما عنده شيء.

لقد هيأت الطفل نفسيا وشرحت له أساليبهم، وفعلا تم استدعاؤه وفعلوا به مثلما قلت له، ورجع وهو مشلول اليدين دون أن ينتزعوا منه اعترافا، وقبلني وقال:

جزاك الله خير الجزاء.

وفي لقاء آخر مع الشيخ معن تحدثت معه حول مسالة أخرى وهي ضرورة أن يكون لكل خط تنظيمي واقعي خط وهمي، ففي بعض الحالات يرى المعتقل نفسه مجبرا على الاعتراف، لوجود أدلة ثبوتيّة عليه، ففي هذه الحالة يعترف على الخط الوهمي ويحمي الخط الحقيقي كما فعل ذلك الشهيد قاسم عبود, ثم أضفت:

إذا كانت قيادة الحزب لم تخطط بعد للصدام مع السلطة في هذه المرحلة, كان عليها أن تهيء أفرادها لتوقي الضربة.

فقال الشيخ:

دكتور حسين, لم يكن لنا من ينبهنا إلى هذه المسائل, إن هذا درس, والحركة الإسلامية يجب أن تدرسه بعمق, وان أزمة الاعتقالات والانهيارات في صفوف الحزب يجب أن تستفيد منها الأجيال القادمة وان لا تفوتها هذه المحنة دون اخذ العبر.

الإعداد العائلي

كان الشيخ يعد ولده الصغير ((سجاد)) للمستقبل, وكان يعلمه دائما: إذا سالك رجال الأمن عني، وقالوا لك:

هل هذا هو أبوك؟

فقل لهم:

لا, أصر على ذلك.

وكان رجال الأمن يشكون بشخصية فاروق عبد الله، ويعرفون عائلة حسين معن، لذلك احضروا زوجة الشيخ وطفله سجاد، وقف الطفل الذي لم ير والده منذ شهور وقف أمام والده، ولم يرم بنفسه في حضنه، وقف وكأنه لم يعرفه، وسأله المحقق فاضل الزرقاني:

سجاد! هل هذا أبوك؟

فقال:

لا, أصر على ذلك.

ولكن حينما عاد الشيخ من أبو غريب باسمه الحقيقي واتضح بأنه حسين معن، احضروا سجاد و أوقفوه أمامه، لكن الطفل لم يرم بنفسه في حضن والده، ووقف وكأنه لم يعرفه، ولما سأله المحقق:

هل هذا أبوك؟

أجابه:

لا, أصر على ذلك.

فتألم الشيخ لمحنة الطفل، وقال له:

تعال     يا ولدي، قل لهم، أنا أبوك.

فحينما سمع الطفل من والده ذلك وافق على أن يقول لهم: انه والدي.

الوصية

وقبل صدور حكم الإعدام بحقه بليلة أو ليلتين، قال لي الشيخ:

 

أنا أتوقع أن يحكموني بالإعدام، وأحب أن أوصيك وصيتي وأنت أمين عليها، وصيتي هي:

أن تبلغ المؤمنين والدعاة من بعدي باني سوف اذهب إلى لقاء الله ونفسي لم تشبع من ثلاثة أشياء في هذه الدنيا:

أ- لم اشبع من عبادة الله عز وجل.

ب- لم اشبع من مجاهدة الظالمين التي تعطيني لذة ما بعدها لذة.

ج- لم اشبع من خدمة إخواني المؤمنين, والفقراء.

الإعدام بالجملة

هنالك أربعة خطوط من الحركة الإسلامية سيقت إلى المحكمة التي كانت تعقد في الأسبوع مرتين أو ثلاث مرات، قبل محاكمتي ، وهي:

أ-خط الأطباء

منهم:

1.    الدكتور رياض زيني.

2.    الدكتور طاهر.

3.    الدكتور غازي الحريري. وآخرون.

وكان بعض هؤلاء الأطباء يعمل في مستشفى الكرامة في بغداد، وكانت عندهم قنابل يدوية(رمانات)، وفي تلك الفترة كان صدام حسين يقوم بزيارة المستشفيات في بغداد للاستهلاك الإعلامي، وكان قرار هؤلاء الأطباء هو اغتيال راس السلطة الطاغية عن طريق تفجير القنابل.

لقد حكم على هؤلاء الأطباء بالإعدام.

ب-خط الضباط

منهم:

1. النقيب سعيد المالكي.

2. النقيب هشام اللامي.

3. النقيب غالب.

4. النقيب عاصم.

5. النقيب حميد.وآخرون.

وكان هؤلاء الضباط من وحدات مختلفة، كما اعتقل جلاوزة الأمن ضابطين من وحدات صواريخ أرض – أرض الكائنة في معسكر المحاويل* (موقع عسكري في منطقة تابعة لمحافظة بابل)., وكان هذان الضابطان مسؤولين عن هذه الكتيبة، وكانت عندهم خطة لضرب القصر الجمهوري بهذه الصواريخ.

لقد حكم على هؤلاء الضباط أيضا بالإعدام.

ج-نواب    الضباط

وكان عددهم يتراوح مابين35-45نائب ضابط ، وكانوا يعملون في قاعدة كركوك الجوية. لقد حكم على جميع هؤلاء بالإعدام باستثناء اثنين حكما بالسجن المؤبد.

د-خط الكوكبة اللامعة

وهم:

1. الشيخ حسين معن.

2. السيد عبد الرحيم الياسري.

3. الأستاذ((ف. د)).

وعندما اقتادوا هؤلاء الثلاثة إلى المحكمة اتفقت مع الشيخ حسين على شفرة معينة تخبرني نوعية الأحكام الصادرة بحقهم, وكانت الشفرة كالتالي:

إذا حكم الشيخ مع السيد الياسري بالإعدام، فان السيد يقول للحارس، سلم لي على الدكتور حسين.

وإذا حكم الثلاثة بالإعدام، فان(ف. د) يقول للحارس، سلم لي على الدكتور حسين. وهكذا تم الاتفاق مع الشيخ على هذه الشفرة.

وحينما ذهبت هذه الكوكبة إلى المحكمة, وعاد الحرس فإنه وقف بباب الزنزانة وناداني فجئت وراء الشباك الصغير بباب الزنزانة, فقال الحارس:

دكتور! الشيخ حسين معن يسلم عليك.

فعندها علمت بان الشيخ حكم عليه بالإعدام وان صاحبيه حكما بالسجن, وهكذا ذهب إلى ملكوت السماء صابرا محتسبا تتحدث عن صموده الأجيال.

ثم إني سألت الحارس:

ماذا قال الشيخ…؟ ماذا فعل…؟

فالتفت الحارس يمينا وشمالا, ثم قال:

يا أخي اقسم بشرفي, هذا بطل لا يأتي العراق بمثله.

وبعد أن حكمت على المحكمة بالسجن المؤبد واقتادوني إلى سجن أبو غريب وجدت هناك السيد الياسري و(ف. د) فتأكدت من سلامة الشفرة التي اتفقت عليها مع الشيخ الشهيد, ثم سألتهما عما جرى في المحكمة, فقالا:

لقد كان الشيخ بشوشا طوال فترة المحاكمة, وقال للحاكم مسلم هادي الجبوري – وهو يبتسم على عادته:

لماذا تضيعون وقتكم مع هؤلاء … أنا مسؤول العراق … أنا مسؤول هؤلاء … أنا المسؤول عن جميع القضايا.

وكان الشيخ متفقا مع صاحبيه أن يقولا للحاكم:

كل شيء مسؤوله الشيخ حسين معن

وحينما سأل حاكم( ف. د) عن التنظيم وعن المطبعة, أجابه:

إن المعلومات أخذت مني بالقوة، ولو قالوا لي من الذي رمى القنبلة الذرية على ((هيروشيما)) لقلت لهم أنا، لقد وقعت على ورقة وأنا معصوب العينين لا ادري ما كتب فيها.

لقد خدعني هذا الشيخ حينما طلب مني تصليح المطبعة، أنا سني ولا اعرف هذه الأمور.

فقال الحاكم:

(( حقك ابني حقك, أنت ما عنك شيء، إن هذا   لم يخدعك فقط، بل خدع الدولة.))

لقد حكم ((ف. د)) سبع سنين، والسبع سنين معناه إفراج, إلا أن طاحونة الإعدام فاغرة فاها لا يكل!! وقد طحنته فيما بعد عن طريق (( الوجبات)).

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان