حديث عن امكانيات حصول انقلاب عسكري في العراق.. فهل هو مجرد مخاوف لا اساس لها.. ام يراد تهيئة الاجواء والتخويف وزيادة التوتر، ام الحذر والوقاية واتخاذ الاستعدادات، لاحتمالات باتت واردة!
عندما سئل الاخ الدكتور احمد الجلبي اواسط العقد الماضي عن احتمالات الانقلاب العسكري.. قال محقاً ان من يستطيع القيام بذلك هو فقط الجنرال “كيسي” القائد العسكري الامريكي انذاك. واليوم ايضاً لا يستطيع ضباط صغار القيام بانقلاب كما كان الامر سابقاً، او حتى مجرد التفكير وترتيب مستلزماته.. فقط القيادات العليا يمكنها التفكير بذلك، وفي ظروف خاصة، ومصر مثالاً.. وظروف العراق وجيشه وتركيبة قواه مختلفة جذرياً.
التحليل السياسي عموماً نوعان.. الاول “الاستاتيكي” اي الجامد.. والثاني “الديناميكي” او المتحرك. والمحللون “الاستاتيكيون” قد يفكرون باحتمالات الانقلاب لان انماط تفكيرهم قبلته واعتادت عليه.. لكن تفكيرهم النمطي نفسه قد يقودهم لاستبعاده.. فقد تم التخلي عموماً عن الانقلاب كوسيلة للتغيير، كما كان الشأن خلال القرن الماضي في دول العالم الثالث.. اما انصار التحليل “الديناميكي” فيرون ان تطورات كبيرة حصلت في تركيبة القوى العراقية العسكرية والرسمية والاجتماعية، تمنع حصول انقلاب عسكري.. رغم ان الازمات المتكررة.. والصراعات السياسية.. وزيادة عديد القوات المسلحة وزجها اكثر فاكثر في الحياة السياسية، قد يشجع بعض المغامرين، بدعم من قوى داخلية وخارجية، لطرح افكار بائسة في هذا الاطار.
ومن المضحك المبكي ان المحاصصة والطائفية نفسها قد تمنع حصول الانقلاب.. فما قد يقبله ثلث الجغرافيا سيرفضه بالضرورة الثلثان الاخران. لكن الاهم من ذلك كله ان البلاد ستشهد قريباً انتخابات الدورة التشريعية الثالثة.. وها قد بدأت اصوات المرجعية والقوى السياسية والاطراف الاقليمية والدولية تتنادى بعدم قبول اي تأجيل للانتخابات، فما الحال لمن يفكر بالغائها، واحلال حكم العسكر محلها. ويخطىء من يقرأ تذمر الشعب كتزكية لعمل مغامر.. فالتذمر تسمح به اجواء الحرية التي يتمتع بها، وهو لن يضحي بها رغم حداثتها وبعض الفوضى فيها، ليقبل محلها الحكم الفردي المستبد المدعوم بالدبابات. كما يخطىء من يعتقد ان الانقلاب وسيلة لحل اشكالات الحكم ومصاعبه. فمن يلجأ للحل الانقلابي سيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار.. وهذه حلها بالمزيد من المؤسساتية والديمقراطية والدستورية واللامركزية.. وعدم استخدام القوات المسلحة في العمل السياسي او في حسم صراعاته.





