تحل علينا هذه الايام ذكرى عاشوراء. تلك الكارثة الإنسانية التي تمثل الصراع بين الخير والشر, وبين من يروم الحق وتطبيقه, وبين من يريد الباطل وتحقيقه, والتي تتسم باهتمام عالٍ من قبل العراقيين, حيث ترى أكثرهم يتوشح السواد, وتبدو مظاهر الحزن جلية عليه, ويكون التفاعل واضحاً من خلال اللطم, وبث التعازي بين الناس, واطلاق اللحن الشجي, وإثارة المضمون المأساوي الذي يحرك كل عناصر الحزن بالطريقة التي تستنزف الدموع. والناس جميعاً متفاعلون مع الذكرى الأليمة, التي مر عليها أكثر من ثلاثة عشر قرنا, وهذا الشيء الذي يميز الذكرى عن أحداث التأريخ, وهو ما يسميه السيد محمد حسين فضل الله:(حضارية إحياء التأريخ).
وقبل الولوج في الموضوع الذي أريد طرحه أود أن أتكلم عن اعتقادي بالنسبة للقضايا العاطفية, حتى لا اُتهم من قبل الكثير. ان تفريغ عاشوراء من العاطفة, والشعائر التي تمارس في كل عام, والاكتفاء بالمضمون الفكري (التقليدي) يجعل منها قضية راكدة, جامدة, جافة في الوعي الجمعي للإنسانية, فتشبه بذلك الكثير من حالات الصراع الدائرة بين الحق والباطل فتبقى لا ينتبه لها أحد, يأكلها التراب, ومؤطرة في إطار الكتب, ويتبدد في ذلك هدفها!. من هنا نعرف حكمة أهل البيت (ع) في التأكيد على بقاء عاشوراء ما بقي الدهر, لتبقى مناراً يهتدى به, وطريقاً لمن يصبو إلى تحقيق العدالة بكل تفاصيلها . مع هذا, ثمة سلبيات كثيرة تنجم حينما يتم الاقتصار على العاطفة والمأساة فقط, وترك الهدف الكبير في عاشوراء, وهو الانسان وكرامته وحياته وكل ما يتصل به. وكذلك يتم تحويل القضية إلى طقوس وموروث وفلكلور شعبي يعتاد الناس عليه, وبهذا اقصاء وتهميش الثورة عن أي مضمون فكري, وسياسي, وعقائدي ينهض بالانسان نهضة كبيرة يسمو بها على المستنقعات التي تواجهه في الحياة الدنيا. واعتقد ان هذه القضية قد تفاقمت في السنين الأخيرة وبات الخطباء يتبارون فيما بينهم من هو الأكثر في اثارة العواطف واستدرار الدموع, وأصبحت لهم دكاكين, وبعضهم لايحضر المجلس الذي يقيمه الفقير, وهذا ينجم بالتالي عن تفريغ المناسبة من مضمونها الروحي والمعنوي. وصارت (بعض) المجالس الحسينية طريقاً لتسميم وعي الناس بالتطاحن الطائفي, وكذلك لبث الاحقاد التأريخية, وكانوا بإمكانهم ان يستخدمون نفوذهم, ومكانتهم عند الناس (أي الخطباء) لإيصال الإسلام الحقيقي كسلوك, واخلاق, وعلم, وثورة, وكذلك تعليم الناس ان أهداف الحسين ومبادئه ليست مرحلة تأريخية غارقة يطويها النسيان. انها أهداف ومبادئ للحياة والحرية ينشدها كل انسان على وجه البسيطة, سيما المسلمين. ومثال ذلك : من منّا لايشعر بالظلم من قبل الحاكم, وحاشيته التي تدير الدولة ؟ ومن منّا لا يرى ان الاسلام قد تغّير في جوهره, وبات اسلاماً سياسياً, تتحكم فيه الاهواء والمصالح!؟. وهذه القضايا كلها هموم وآلام اجتماعية يشعر بها كل من له بصيرة. بذلك يستطيع الخطباء ان يرسّخوا هذه المفاهيم الإنسانية عند الناس, ويقدرون على استخدام المناسبة وسيلة ضغط على كل من تسوّل له نفسه بالظلم, والمتاجرة بأموال الناس ودمائهم. ان التركيز على القضايا العاطفية فقط, جعل من الحسين(ع) عبارة عن مأساة وبكاء وخسارة وفقد الأحبة . واندثرت بذلك تضحياته المضمخة بالدماء التي بقت على امتداد التأريخ تخيف الحكام وترعبهم, حتى سعى الظالمون بذلك إلى تحجيم, وتقزيم هذه المناسبة لتأثيرها الكبير في النفوس . ثمة خطباء يبعثون على العجب, وعندهم تناقض غريب في سلوكياتهم. فهم على المنبر قريبون من الحسين (ع) ويدعون الناس إلى المسير على خطاه, ولكنهم في الواقع ابعد الناس عنه, واقربهم إلى اعدائه. ينقل لي احد الأخوة انه حينما كان يحضر احد المجالس الحسينية, وكان الخطيب يتكّلم عن زهد الامام علي(ع) وكيف كان يأكل الجشب, ويلبس الخشن. يقول الناقل لي: ( ان هذا الخطيب قد وضعت له مائدة قبل المجلس تستطيع ان تسميها مائدة ملوك!). ان الحسين بحد ذاته هو حركة علم, ووعي لا حركة انفعال وعاطفة فارغة, وهذا الوعي ينبغي ان يترجم إلى واقع, ويستخدم في مسار هذه الحياة لأنه السلوك الأمثل للإنسان الذي يسعى إلى التكامل.. إلا يجدر بهم كخطباء ورجال دين(في نفس الوقت) ان يوصلوا فكر اهل البيت (ع) بطريقة تنسجم مع سلوكهم الذي يطل على الجميع من موقع الطهر والنقاء؟. خصوصاً, وان المجتمع يعيش في حالة ضياع تام, وبعد عن مبادئ كثيرة, وانغماس في القضايا التي تنتج الخراب والدمار في البنية الاجتماعية. والجميع يعرف ان الحسين (ع) ترك كل شيء, وضحى بالغالي والنفيس, في سبيل القضاء على البدع, والسلوكيات المشينة التي ظهرت جراء حكام بعيدون عن الحركة الإسلامية المحمدية . وأيضاً لا يخفى ان الحسين حتى في أيام مقتله اراد ان يعلم الناس درساً في الانسانية لمّا بكى على اعدائه حينما علم أنهم سيدخلون النار بسببه!. فهل نبقى نعلّم الناس على الخرافات والترهات التي لا يقبلها عاقل. وأخلاق الحسين تبقى بين أروقة الكتب لايعرفها إلا القليل ؟ أم نجعل من أبي عبد الله(ع) وشعائره طريقاً لأن تنتج النفوس كل قيّم الجمال في هذه الحياة, لا أن تُسمم افكارها, ولا تعرف من الحسين إلا السواد!.









